أحرق صدام مكتبته في الأبلّة
المسجد الذي زاره السيستاني بدأ بربع دينار من عمال الموانئ وهكذا يبدو اليوم
المعقل (البصرة) 964
في قلب منطقة المعقل بمدينة البصرة، يقف جامع الأبلّة، المعروف محلياً بجامع “السيد علي الصافي”، شاهداً على تحولات كبرى في تاريخ المدينة الحديث، من تأسيسه بمساهمات عمال الموانئ في سبعينات القرن الماضي، إلى تحوله لاحقاً إلى مركز للمعارضة وقيادة سياسية خلال سنوات الاضطراب بعد 2003، ورغم كونه معلماً دينياً، إلا أن الجامع يُعد بالنسبة لأهالي الأبلة والجنوب بوابة لذاكرة جماعية لا تنفصل عن السياق السياسي والاجتماعي للعراق، حيث بدأ كمبادرة أهلية قادها السيد عبد الحكيم الصافي، من خلال اكتتاب رمزي بواقع ربع دينار شهرياً من كل عامل لبناء صرح لم يكن له بديل آنذاك في المنطقة الناشئة، وسرعان ما تحول حينها إلى مكان يلقي فيه كبار الخطباء مواعظهم مثل الراحل الشيخ أحمد الوائلي، وصار كذلك مكتباً يمثل المرجعية العليا في البصرة، كما زاره المرجع الأعلى علي السيستاني حين عاد من رحلة العلاج في لندن عبر الكويت ومنها إلى البصرة.
محمود عبد المنعم – من أسرة آل الصافي، لشبكة 964:
الجامع تأسس بجهود شخصية، لم يكن للدولة أو التجار دور في بنائه، بل تبرع كل عامل في الموانئ بربع دينار شهرياً، ومن هذه المبالغ البسيطة شيّدنا هذا المكان.
ومع تصاعد الأحداث السياسية في العراق، اتخذ الجامع موقفاً مبكراً مناهضاً للسلطة، دفع ثمنه شباب المنطقة بالإعدام ومكتبة نادرة أُحرقت بالكامل عام 1991، في وقت شكّل الجامع منطلقاً لهتافات تزامنت مع شهر محرم عام 1979، أثارت حفيظة النظام آنذاك.
في عام 1979، انطلقت من الجامع هتافات “أبد والله ما ننسى حسيناه”، فاقتحم رجال الأمن المكان واعتقلوا العشرات من الشباب، بعضهم أُعدم لاحقاً، كما تم حرق مكتبة السيد التي ضمت مخطوطات لا تُقدر بثمن.
وبعد سقوط النظام في 2003، تحوّل جامع الأبلة إلى غرفة عمليات مدنية وسياسية غير رسمية، كان من داخل مكتب السيد علي الصافي تُتخذ قرارات مفصلية لإدارة المدينة، بما فيها تشكيل مجلس المحافظة الأول.
السيد علي، رحمه الله، كان يجمع القيادات داخل الجامع، ومن مكتبه تم اختيار المحافظ الأول. حتى ممتلكات الدولة أعيدت بتوجيهاته، بما فيها سيارات منهوبة.
أما سكان الأبلة والمعقل، فلا يرون في الجامع مجرد مكان للعبادة، بل فضاء مجتمعياً حياً، لا يزال يقدّم الدعم للعوائل المحتاجة وينظم النشاطات الدينية والاجتماعية.
قاسم كريم – أحد سكان الأبلة، لشبكة 964:
الجامع رمز من رموز البصرة، وهو من أوسع الجوامع في المدينة، وما زال دوره الاجتماعي والديني مستمراً حتى اليوم.
تأثير هذا الجامع لا يقتصر فقط على منطقة الأبلة وإنما في كل مدينة المعقل، بل على كل مناطق شمال البصرة.
كريم جوحي – أحد سكان المعقل، لشبكة 964:
كنا طلاباً في المدارس نشارك بنقل الطابوق، وهذا المكان ليس جامعاً فقط بل مدرسة تربينا فيها، وكان لكل واحد منا بصمة في بنائه.
واليوم يتولى الدكتور حسنين الصافي نجل السيد علي إدارة شؤون الجامع ومتابعة إرث والده وجده، ليبقى جامع الأبلة صفحة حية من تاريخ البصرة بني بأيدي أبنائها، واحتضن محطات مفصلية من مسيرتها.