و"الهندي" لن يعثر عليه الرواد!
حان الوقت يا نجف.. إغلاق مكتبات الحويش إلى الأبد ومهلة الحرم العلوي انتهت
الحويش (النجف) 964
في قلب المدينة القديمة، وعلى بُعد خطوات من ضريح الإمام علي بن أبي طالب، يمتد سوق الحويش، أحد أقدم الأسواق التي احتفظت بطابعها الثقافي والتراثي منذ أزمان بعيدة، يوم كان نابضاً بالحياة وسط مكتباته التي تجاوزت 200 حانوت، وقد اشتهر يوماً بمزاده الأسبوعي كل جمعة، حيث يلتقي هواة جمع النوادر والطبعات القديمة مع طلبة الحوزة الدينية في امتزاج ثقافي فريد من نوعه، إذ ستجد عند كل بسطة وواجهة عرضٍ مؤلفات للطباطبائي والصدر ودوكينز ونيتشة والملا صدرا وهايدغر والمظفر وماركس وغيرهم الكثير من أعلام الفلسفة واللاهوت والتاريخ والسياسة، ولكن كل هذا الإرث الكبير مهدد بالإزالة مع نهاية المهلة غداً الأحد، وقد أعطيت للكتبيين والناشرين، في سياق تنفيذ مشروع توسعة الحرم العلوي، وهو ما يثير مخاوف الكثير منهم بشأن اندثار السوق الى الأبد، فالمكان البديل المقترح من العتبة قرب جامع الهندي الشهير، لا يسع سوى 28 مكتبة فقط، ولن يهتدي إليه الرواد بسهولة.
حسين السباك – صاحب مكتبة في الحويش، لشبكة 964:
سوق الحويش، سوق عريق وقديم، ففي الستينيات كانت فيه قيصرية لبيع الكتب، وكان يُقام مزاد يوم الجمعة تُباع فيه الكتب القديمة والأنتيكات، وكان هذا السوق يضم العديد من المكتبات سابقاً، ثم بعد سقوط النظام عادت المكتبات إليه، حتى سُمي المتنبي الثاني، فهو سوق ثقافي أدبي، يرتاده المثقفون ومحبو اقتناء الكتب، وبعد عام 2003 ازدهر هذا السوق، لكنه لم يعد كما كان سابقاً بسبب انتشار الكتاب الإلكتروني محل الورقي.
توسعة الحرم العلوي أصبحت أمراً لا بد منه، وهذا السوق تحوّل إلى ما يشبه السوق التراثي، والآن هناك جدل بين كونه تراثياً وبين ضروريات توسعة الحرم، وعلى كل حال فقد بدأت التوسعة شيئاً فشيئاً، حيث أُعطيت مهلة ثلاثة أيام لإخلاء السوق حتى مسجد الهندي، وتم نصب مصدات حديدية هناك، والتوسعة مستمرة باتجاه نهاية الحويش.
وُعدنا بإنشاء مكان بديل يُسمى “الرابطة” ليضم جميع محلات أصحاب المكتبات، وفعلاً سجل المشتركون أسماءهم لدى العتبة العلوية على اعتبار أنهم من الناشرين، لكن المشروع لم يكتمل حتى الآن.
بُنيت في آخر الحويش قيصرية تضم نحو 28 محلاً تابعة للعتبة العلوية، وهي لا تكفي لجميع أصحاب المكتبات، لذا نحن في انتظار استكمال المشروع للانتقال إلى “الرابطة”، وقد انتقل بعضهم فعلاً إلى تلك المحلات في نهاية الحويش، وهي قيصرية تابعة للعتبة، وإلى الآن لا يزال الأمر قائماً.
رياض الغراوي – صاحب مكتبة في الحويش:
لم تقصر العتبة مع أصحاب المكتبات، فقد شملتنا بالتعويض ومكان جديد في آخر السوق، لكن المشكلة هي أن المكان الجديد في نهاية السوق فقط، وبدأت المكتبات تُخلي المحلات من أجل التوسعة، وقد أعطونا مهلة، ثم مهلة أخرى، ووسعوا لنا الوقت، وآخر مهلة هي إلى يوم الأحد القادم، حيث سيباشرون أعمال التوسعة.
من الآن بدأنا بنقل بضائعنا وكتبنا وأغراضنا إلى نهاية السوق، والعتبة عوضتنا ببناء حديث، لكن المشكلة فقط في أن المكان الجديد يقع في آخر السوق، وهذا هو الأثر الوحيد، أي أنه ابتعاد عن الحرم فقط، وليس أكثر، لأن الزائرين لن يعرفوا الموقع الجديد، أما طلبة العلم فإنهم يعرفون الكتب ويطلبونها حتى لو كانت في الصين سيأتون بها، لكن الزائر لا يعرف مكان السوق أين هو.
الأسواق تولد وتندثر مع مرور الزمن، وهذا السوق هو سوق المكتبات، وقد أسست أغلب المكتبات فيه، وإن كانت هناك مكتبات قديمة لكنها كانت قليلة جداً وتعدّ على الأصابع، أما بعد السقوط فقد أصبحت المكتبات فيه تتجاوز 200 مكتبة، فالسوق تنشأ فيه المكتبات وتضمحل وتتجدد وتُستحدث، وهكذا.
طبعاً هو سوق تراثي، والخط الأصلي ومقر الحوزة العلمية هنا في النجف الأشرف، ومع أن العتبة عوضتنا بمكان آخر للسوق، إلا أن هذا المكان لا يُعادل السوق نفسه، لا من حيث البناء ولا من حيث الاتساع، فالسوق نفسه سيندثر حتماً، والمكان البديل لا يلبي الحاجة، فالمحلات صغيرة جداً، والكتب تحتاج إلى مكان واسع حتى يمكن عرضها فيه.