شهادات عن حملات تبرع وهمية

مجموعات التسول تحترف البث المباشر.. الأطفال مجندون في “فيسبوك” و”تيك توك”

964

من الشوارع والأسواق وأبواب المساجد والمطاعم، إلى مواقع التواصل الاجتماعي، تنتقل مجموعات التسول إلى الفضاء الرقمي لكسب تعاطف الناس والحصول على أموالهم، عن طريق قصص ينشرها أشخاص من المفترض أنهم يعانون من أمراض أو حوادث تتطلب مساعدة عاجلة.

وقال مواطنون، لشبكة 964، إنهم يتلقون رسائل متواترة عبر تطبيقات “فيسبوك” و”انستغرام” و”تيك توك”، من مجهولين تتضمن صوراً لمرضى أو مشردين بلا مأوى.

ما التسول الإلكتروني؟

بشكل ممنهج، ينشر أشخاص مجهولو الهوية قصصا عن معاناتهم المادية، وعادة ما تبدأ بمزاعم الإصابة بأمراض مستعصية، أو يزعمون أنهم يقضون أيامهم الأخيرة، إلا إذا أنقذهم تبرع بمبلغ كبير.

ووفقا لشهادات مختلفة، فإن أصحاب طلبات المساعدات “يستغلون تفاعل الناس وتعاطفهم مع التبرع أو الصدقة، عبر إرسال الأموال أو حتى بطاقات تعبئة الرصيد للهواتف المحمولة.

ورصد مراسل شبكة 964، حالات أخرى تتعلق بأطفال دون مأوى، بحاجة إلى تأجير منزل مناسب، لكن بعض المتبرعين يطلبون عنوانهم للتأكد من جدية الحالة فيفشلون في الوصول إلى موقع معلوم، حيث يصر طالب المساعدة على دفع الأموال حصراً عن طريق نظام الحوالات.

وتقول شابة من أهالي الأعظمية، أنها تابعت قبل أيام بثاً مباشراً عبر تطبيق “تيك توك”، لرجل يفترش الأرض مع أطفاله الثلاثة داخل غرفة صغيرة في إحدى الأحياء العشوائية، ويطلب مساعدة مالية لإطعامهم.

ووفقاً للشابة، فإن حالة العائلة شهدت تعاطفاً كبيراً من مستخدمي “تيك توك”، وظهر من التعليقات أن العشرات تحدثوا عن إرسالهم أموالاً لمساعدة الأطفال.

وفي وقت لاحق، تكرر بث فيديو العائلة نفسها على مدار أيام، وكان الرجل يسرد حكاية أطفاله المزعومين طلباً للمال.

طبيبة في مستشفى اليرموك ببغداد، تقول لشبكة 964 إن “غالبية قصص التبرع مفبركة الهدف منها الحصول على الأموال، باستثناء حالات تعرض وسائل شفافة للتبرع والتواصل الحر مع صاحب الحاجة أو المرض”.

الطبيبة التي رفضت الكشف عن اسمها، “تفاعلت قبل شهور مع منشور على فيسبوك، لشخص يتحدث عن مرض ابنته النادر، وأنه بحاجة إلى المال لإجراء عمليات جراحية عدة، الأمر الذي دفعها للاتصال على رقم هاتف ملحق بالمنشور”.

ورفض الشخص الذي طلب المال الكشف عن مكان إقامته، وفقاً للطبيبة، رغم محاولاتها زيارة الطفلة للكشف عن حالتها، لكنه أصر على التبرع بدفعات من رصيد الاتصال، مرسل إلى رقم الهاتف المرفق”.

النصب في بث مباشر

ضحى رحيم، من أهالي الكرادة وسط بغداد، لديها تجربة أخرى، بعد أن تبرعت قبل أسابيع بمبلغ مالي عبر خدمة “زين كاش”، لحالة قرأت عنها في مواقع التواصل الاجتماعي، وبعد أن أرسلت المال المطلوب “وجدت منشوراً آخر يتحدث عن الحالة نفسها باسم مختلف”.

تقول رحيم، “لقد تعرضت إلى النصب.. هؤلاء الأشخاص يعملون بشكل متقن كأنهم فريق وليس فرداً واحداً”.

وتطالب ضحى (36 عاماً) الجهات الأمنية والقضائية بملاحقة هؤلاء المتسولين، بسبب تأثير الظاهرة على المحتاجين فعلاً إلى المساعدة، “منعاً لقطع سبيل الصدقة والمعروف”.

احتيال على الحملات

حتى الحالات التي تحتاج بالفعل إلى مساعدات مالية أو طبية، تتعرض إلى عمليات نصب من مجموعات مجهولة.

ويلجأ كثير من المحتاجين إلى مواقع التواصل الاجتماعي لجمع تبرعات لحالات يفترض أنها حقيقية، لكن منشوراتهم تتعرض إلى الاستغلال من قبل مجهولين يعيدون نشرها أو مشاركتها في حسابات وهمية بمعلومات اتصال مختلفة.

وتروي عائلة من محافظة بابل، لشبكة 964، كيف تعرضت لمحاولات استغلال عندما أطلقت حملة جمع تبرعات لعلاج طفلها البالغ من العمر عاماً واحداً، المصاب بحالة نادرة من الضمور العضلي، تتجاوز كلفة علاجه مليوني دولار.

ويقول والد الطفل، إنه “بمجرد إطلاق حملة جمع التبرعات، اتصل أحدهم ليعرض المساعدة على العائلة بتوسيع نطاق الحملة على منصات التواصل الاجتماعي في العراق”.

ورفض الشخص المجهول الكشف عن اسمه وعنوانه، مشترطاً الحصول على نصف قيمة التبرعات، وفقاً لما ذكره والد الطفل.

وبحسب الشهادات التي جمعتها شبكة 964، فإن مجموعات الاحتيال تجيد فن التمثيل، وتستخدم عبارات محددة، الهدف منها استدراج المتعاطفين، بالإضافة إلى استخدام مقاطع فيديو وصور لحالات مرضية متداولة خارج العراق، ونشرها من جديد على أنها حالات محلية بحاجة إلى مساعدات عاجلة.

وتداولت حسابات عراقية غير موثقة مقطع فيديو لحملة تبرع من أجل علاج طفلة تعاني من مرض خطير، وتبين من خلال بحث أجرته شبكة 964، إن الحالة تعود لطفلة فلسطينية من قطاع غرة.

الداخلية تنتظر “جرائم المعلومات”

يقول اللواء خالد المحنا، المتحدث باسم الداخلية، في تصريح لشبكة 964، إن “التعرف على المحتالين الرقميين أمر شبه مستحيل، لأنهم ينشطون في فضاء مفتوح، فيما الأجهزة الأمنية غير قادرة على ملاحقة الرسائل والمنشورات التي تطلب الأموال”.

وبحسب المحنا، فإن “الداخلية تنتظر تشريع قانون جرائم المعلوماتية الذي سيمكن الوزارة من السيطرة على الاحتيال الرقمي”، مشيراً إلى أن “المحاكم في بغداد لم تسجل أي شكوى أو دعوى حول هذه القضية حتى الآن”.

ويعتقد الخبير القانوني، علي التميمي، في حديث مع شبكة 964، أن “استخدام بعض الأطفال أو البالغين في مقاطع الفيديو والصور بهدف الحصول على المال، يدخل ضمن الاتجار بالبشر”، معتبراً أن “استغلال الأشخاص في الاحتيال الرقمي تجنيد لهم ضمن تجارة مخالفة للقانون”.

ويعاقب قانون الاتجار بالبشر رقم 28 لسنة 2018، بالحبس والإعدام والغرامات من 5 إلى 10 ملايين دينار لكل من يتاجر بالبشر”.