هل نتظاهر حقاً أم نتظاهر بالتظاهر؟

“أول الرقص حنجلة” مع لعنة التطبيع.. بغداد وبيروت تفتشان مكتبة الصدر بحثاً عن مخرج

شيء ما يحصل في بغداد وبيروت في الوقت نفسه، “غضب مشكوك به” في العاصمتين، ومشاهد متطابقة لرايات المقاومة باللون الأصفر وأعلام إيران، حركة موسى الصدر في لبنان “أمل”، نفضت التراب عن كتاب ديني قديم بعنوان “التطبيع” واستخرجت منه “شيفرة” آية الله محمد مهدي شمس الدين.

مبعوث عاد من إيران يتحدث عن “مخرج تفرضه الضرورة” يزحزح فتوى تحريم التطبيع “قليلاً”.

عين سعودية تراقب وتتوقع وتتذكر، مقولة ريتشارد نيكسون “على الأمم أحياناً أن تختار بين الإيديولوجيا والبقاء”.. وأن طهران المضطرة قد تُفلت لبنان من يدها.. يطير بعيداً مقابل أن تقبض على العراق بكلتي يديها وتختار “البقاء” معه.

أما بغداد فما زالت تتفحص الأدراج والأسماء والكاميرات بحثاً عن الخطأ والمخطئ في صدور قرارها بحظر حزب الله والحوثيين.

أسبوع مرتبك ومليء بالعبارات الغامضة والتصحيحات والنفي والتأكيد، إشارات ملتبسة و”أخطاء” من الحكومات وحتى من القوى الشيعية المقاومة، نقاشات التطبيع مع إسرائيل تحوّلت إلى هاجس أو شبح أو كابوس، أو ثقب أسود يحتجز اهتمام القارئ والكاتب، الصحافة والمتابعين، ويزيح كل الشؤون الأخرى إلى الرف رقم 2، وفي هذا التقرير تسلسل زماني ومكاني لتطورات ملفتة تحصل لأول مرة!

تظاهرات مترددة أم “مبرمجة”؟

كثير من أنصار المحور في لبنان والعراق باتوا يشعرون أن وتيرة شيء ما على صلة بالتطبيع، تتصاعد رغم صعوبة الرؤية، لكنهم لا يتلقون “أوامر واضحة بالغضب”.

تظاهرات فصائل العراق خفضت مستوى أهدافها إلى صحيفة الوقائع التي نشرت “سهواً” قرار معاقبة العراق لحزب الله، وتوقف بعض المتظاهرين قرب مبنى تلفزيون العراق، بالخطأ أيضاً كما يبدو، فلا صلة بين صحيفة الوقائع والتلفزيون، ولم يتطور الأمر إلى ما هو أكبر من تعليق الفأس برقبة الصحيفة، في الماضي القريب.. لم تكن أحداث مماثلة تنتهي بهذه “الليبرالية”.

في الساعات ذاتها.. جنوب بيروت على طريق المشرفية أو حارة حريك كانت الأجواء كما لو أنك قرب شارع حيفا، في حي الصالحية حيث مبنى التلفزيون وسط بغداد.. مع فارق أن تظاهرات المقاومة في العراق تسندها سيارات قوية رباعية الدفع، مقابل الدراجات النارية الشهيرة لأنصار حزب الله الذين انتشروا قرب الضاحية، مع رايات إيران ذاتها ورايات الحزب، محتجين على “تطبيع” حكومة بلادهم عبر تعيين مبعوث مدني للتفاوض مع إسرائيل.. تلاشت جولة الدراجات سريعاً، ومؤخراً لم تعد تظاهرات الحزب على أولويات الإعلام المحلي، خاصةً وأنها تظاهرات متوقعة ومألوفة، وصار معروفاً أن أي قرار لا يعجب الحزب سيرد عليه بـ”جولة موتوسيكلات” سريعة دون أي مفاجآت خارج السقف الآمن والمنضبط.

الحكومة اللبنانية التي يشارك فيها حزب الله، متهمة اليوم بجريمة التطبيع وفق قانون “مقاطعة إسرائيل” وهو نسخة من الخمسينات لقانون مماثل مرره العراق بضغط زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر قبل أن يلقي حبلها على غاربها عام 2022، وحمل التشريع اسم “قانون تجريم التطبيع“.

يتأمل مراقبو سلوك محور المقاومة مستوى الرد على قضيتين بمنتهى الخطورة، ويعتقد كثيرون إن الاعتراضات في البلدين “ليست جادة”، ويذهب آخرون بعيداً إلى أن القوى الفصائلية في لبنان والعراق توافق على القرارات ثم تعترض أمام الإعلام لمساعدة جمهورها على تقبّل ما يجري، بينما يقلل رأي آخر من حقيقة تطبيق تلك القوانين في بلدان مازالت تقدم “كوكا كولا” و”سيارات فورد” ولا تقاطع حتى صحافة إسرائيل كما يفعل زعيم حزب الله الذي كثيراً ما قرأ مقتبسات من نصوص الصحافة العبرية في خطاباته.

ارتياب مبرر

خلال شهور قليلة، اتخذ العراق سلسلة قرارات معاكسة لمزاج أنصار إيران أو محور المقاومة، من إطلاق سراح المختطفة الروسية الإسرائيلية إليزابيث تسوركوف دون مقابل، إلى التراجع عن قانون الحشد الشعبي، ثم تصاعد الأمر حتى ظهر رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في مؤتمر شرم الشيخ للسلام.

وقبل أن ينسى مناهضو السوداني تلك القائمة المؤلمة، نكأها ترامب ووضع لمسته حين كشف عن وصول برقية دعم عراقية ترشحه رسمياً لجائزة نوبل للسلام، وخلال ساعات انفجرت قصة معاقبة العراق لحزب الله والحوثيين طبق لوائح الإرهاب، في القضية التي أكدت الحكومة لاحقاً أنها كانت خطأ أو سهواً تحريرياً.

تتابعت الأحداث سريعاً، بحيث لم يعد ممكناً للجمهور العادي أن يميز بين ما فعلته بغداد وبين التطبيع المحظور.

أبعد من أخطاء.. أكبر من ولاية ثانية

فضّل كثير من الساسة “كسر الجرة” برأس السوداني، واعتباره متهاوناً في التطبيع أو مع دماء قائد الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، ووضعوا كل القرارات ضمن ما قيل إنه “سعي بلا هدى إلى الولاية الثانية” لكن نظرةً إلى تفاصيل ما يحصل خلال هذه الساعات ذاتها في لبنان المجاور، قد تكشف مستوى آخر من الضغوط أو القرارات غير المعلنة على امتداد المحور الشهير.

فيما يلي تسلسل لأهم الأحداث على الساحة المجاورة، وتلخيص لنقاش حاد وصل إلى داخل البيئة الحزبية الواحدة.

الأربعاء 3.12.2025:

1 – أول “حنجلة” في رقصة التطبيع.. الرئاسة اللبنانية تعلن تعيين ممثل مدني سياسي في اللجنة المشتركة بين لبنان وإسرائيل والوسطاء، بدل الاكتفاء بتمثيل العسكر.

يُطلق على اللجنة “ميكانزم” أو “الآلية” ومهمتها مراقبة وتطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل المبرمة في 27.11.2024 بعد اغتيال زعيم حزب الله.

2 – نص القرار يؤكد أن تعيين مفاوض مدني مع إسرائيل، تم بمشاورة ممثل الثنائي الشيعي حزب الله وأمل، نبيه بري، ورئيس الوزراء نواف سلام (الحصة السنية).

3 – ازداد الأمر سوءاً بإعلان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن اللجنة ستناقش شؤوناً اقتصادية وسياسية، أي أنها لن تقتصر على مهامها السابقة بمراقبة وقف الحرب.

4 – لاحقاً نفى وزير الإعلام اللبناني بول مرقص أي توسيع في مهام المبعوث المدني، لكن مجريات جلسات اللجنة سرية للغاية بطبيعة الحال.

5 – نشرت منصة على صلة بالثنائي الشيعي، تصريحاً منسوباً إلى برّي، يتبرأ فيه، ويقول إنه اشترط عدم التفاوض المباشر مع إسرائيل لكن دون نفي علمه بتعيين مبعوث مدني.

6 – لم ينجح تسريب التبرؤ بتهدئة الاعتراضات داخل بيئة الثنائي الشيعي، وطالب معترضون بالانسحاب من الحكومة لإثبات عدم علم الثنائي الشيعي بالقرار “التطبيعي”.

7 – انقسم شيعة لبنان… حسابات ومتحدثو محور المقاومة والثنائي الشيعي انقسموا بشكل نادر، بين اعتبار تعيين المبعوث المدني تنازلاً مجانياً وخطيراً وبلا فائدة مثل الإعلامي حسن عليق.

8 – آخرون من داخل بيئة المقاومة دعموا التفاوض المدني مع إسرائيل وطالبوا بالتوقف عن إقحام العواطف في التحليلات، كما في تعليق الكاتب والصحفي محمد علوش.

9 – انسحب الانقسام إلى كلام أمين عام حزب الله نعيم قاسم نفسه، وقال أول كلامه عن الموضوع في خطاب الجمعة إن حزبه يدعم قرار الحكومة بالتوجه للحل الدبلوماسي الذي يمنع الحرب، لكنه عاد بعد دقائق ووصف تعيين أول مبعوث لبناني مدني دبلوماسي بأنه سقطة، وهو رأي أربك محللي الاستوديوهات بعد الخطاب حيث واجهوا صعوبة في فهم موقف الحزب بالتحديد.

فرضية “توزيع الأدوار” و”الغضب المبرمج”:

هل يتظاهر حزب الله بأنه غاضب رغم علمه وموافقته على ترتيبات التفاوض المباشر مع إسرائيل؟

يورد رئيس مركز الارتكاز السياسي سالم زهران تفسيراً أكثر مواربة، ويناقش ما إذا كان حزب الله يحاول مساعدة أنصاره على امتصاص المتغيرات بشكل تدريجي، ويعلق على مشاهد نزول بعض الدراجات النارية مع أعلام إيران والحزب قرب حارة حريك معقل حزب الله في الضاحية الجنوبية.

يقول زهران مشككاً “ليس هكذا يغضب الحزب.. رغم انتقاد القرار في قناة المنار لكنه كان انتقاداً خفيفاً” ويتذكر أن الحزب في عام 2022، أعلن معارضته للتفاوض المباشر مع إسرائيل في مسألة تقاسم الحقول الغازية “لكن حين تم الأمر احتفل الجميع“.

وسالم زهران هو أحد أبرز المتحدثين المساندين لمحور المقاومة والنظام السابق في سوريا وإيران، كما يُعرف بجلساته شبه اليومية مع الرئيس نبيه بري، والتي يسرب جزءاً من فحواها إلى الإعلام.

عاد من إيران مع نظرية “الضرورات والمخارج”

الأسبوع الماضي 27.11.2025

علي حسن خليل، الرجل الثاني في حركة أمل، عاد من إيران مؤخراً، وظهر في حوار مع حسن الدر، وهو أحد متحدثي محور المقاومة، وتبادل الطرفان بضع عبارات سريعة في نهاية الحوار أثارت جدلاً كبيراً لم يتوقف إلى اليوم.

قال خليل: يجب أن لا يتوهم أحد أنه لاعب كبير ويفرض ما يحصل في المنطقة من السلام أو غيره (..) نحن مكون من المكونات، ومن الممكن أن يبقى العداء لإسرائيل أمراً مبدئياً بالنسبة لنا، أما كيف تحصل الوقائع على الأرض فثمة نظريات كثيرة.

حسن الدر: الإمام موسى الصدر رفع السقف إلى أعلاه حتى حرّم التعامل مع إسرائيل شرعاً، لكنه وجد أيضاً مخرجاً بفضل بُعد نظره وبصيرته واستشرافه حين قال إننا لسنا حكومة أو نظاماً لنعترف بإسرائيل.

علي حسن خليل: هنا تأتي نظرية أحد المفكرين الكبار.. عن “ضرورات الأنظمة وخيارات الشعوب”.

ويقصد خليل على الأغلب أفكار آية الله محمد مهدي شمس الدين، الذي بقي رئيساً للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى حتى وفاته عام 2000، وهو مرجع وفقيه دين بارز عراقي المولد، نجفي الدرس، لبناني، عُرف بأدواره ومواقفه المناهضة للتطبيع خاصة في فترة التسعينات، وله كتاب “التطبيع.. ضرورات الأنظمة وخيارات الأمة” ويضم عدداً من ندواته ورسائله وطُبع مطلع التسعينات، ويحذر فيه من تطبيع المجتمعات اقتصادياً لكنه يدعو إلى عدم إثارة الفتن ضد الحكومات العربية والإسلامية التي تفاوض إسرائيل لما يتسبب به ذلك من فتن تجعل العرب والمسلمين بحالة أضعف كما هو الحال منذ بدء الانقلابات والثورات وفقاً لفكرته.

وفي الكتاب تنبؤات مبكرة بسوء أحوال الأمة مستقبلاً، وتحذير من الانشغال في مناهضة الحكومات العربية المطبعة، أو حتى تخوينها، فهي -على رأي شمس الدين- بين عاجز أو محاصر أو غبي.

تسببت هذه الدقائق من الحوار المصور بين الشخصيتين البارزتين عند الثنائي الشيعي بنقاشات طويلة وتوضيحات، فما مناسبة البحث عن “مخرج وجده الإمام الصدر مقابل تحريم التعامل مع إسرائيل” وما هو الداعي لاستعادة فكرة “ضرورات الأنظمة وخيارات الأمة” رغم أن خطاب المنصات المقاومة يتصاعد يوماً بعد آخر ضد التفاوض المباشر، وبدا أن الحركة الصدرية التي كانت سباقة في المقاومة، تسعى إلى بناء متراس جديد إلى الخلف قليلاً، يحمي المجتمع من اجتياح التطبيع دون أن يدفع البلاد إلى “الانتحار الداخلي” وهو من تعبيرات شمس الدين في وصف نهاية التوترات بين الشعوب والأنظمة.

وريث الصدر.. ماذا يعرف؟

يتزعم رئيس البرلمان اللبناني نبيه برّي أيضاً حركة أمل (أفواج المقاومة الإسلامية) وهي حركة صدرية أسسها الإمام المغيّب موسى الصدر.

في 17 أيار 1983 -قبل الانشقاقات وظهور “حزب الله” كما هو معروف اليوم- أي بعد نحو عام من اجتياح إسرائيل لبيروت، وقّعت لبنان مع إسرائيل مشروع اتفاق سلام في عهد الرئيس أمين الجميل.

سوريا التي كانت بصدد التفاوض أيضاً ثارت ضد الاتفاق، وأطلق نبيه برّي وحلفاؤه “انتفاضة 6 شباط 1984” المسلحة التي تخللتها أحداث دامية وانتهت بتراجع الحكومة عن الاتفاق بعد شهور وصعود نجم برّي كقائد للشيعة، تمكن من إنهاء “اتفاق الذل”.

كان برّي حينها بعمر الحماس الأربعيني، يقاتل فوق الجبال وعلى الشواطئ، وربما يفكر بإلقاء كثير من الأشياء في البحر.

اليوم بعد 40 عاماً من “انتصاره على اتفاق الجميّل”، يلامس الرجل 90 عاماً، وصار يقلل كلامه للصحافة وغيرها، وبهذا الاقتضاب يشير إلى أن -اتفاق 17 أيار 1983 الذي قاتل ضده- أفضل بكثير من الاتفاق الحالي واستخدم مؤخراً عبارة “يا ما احلى 17 أيار قياساً بتطبيق الاتفاق الحالي” وفقاً لقناة المنار، ومع ذلك وبخبرة قرن فهو يدعم الاتفاق مع إسرائيل، خشيةً مما يفكر به كثيرون -بينهم حزب الله- من خسائر استراتيجية إضافية مع إطالة مرحلة “اللا اتفاق”.

إيران تختار العراق وتضحي بلبنان؟

بالنسبة لكثير من المختصين، فإن الوقت في لبنان أثمن من العراق، لا نفط يملأ ثغرات وإخفاقات السياسة والاقتصاد والأمن، كما أن كثيرين باتوا يعتقدون أن الضغط الدولي على إيران وتخييرها لإسقاط إحدى التفاحتين، سيقودها إلى التخلي عن لبنان مقابل الاحتفاظ بالعراق، وهو التوقع الذي يدافع عنه الباحث منيف الحربي، وهو محلل سياسي سعودي يُطل من الرياض، ويدلي بتعليقات مناهضة للنفوذ الإيراني في المنطقة، معتقداً بوجود عرض غربي بالفعل أمام إيران بصيغة مقاربة.