ملاحظات حول خطاب الزيدي في الأردن

حين تتكلم السلطة بضمير المتكلم من طريق الحرير إلى الدولة التي تُمنح – هشام داود

في لقاء اقتصادي عُقد مؤخراً في عمّان، لم يقتصر حديث المسؤول الأول في الحكومة العراقية، السيد علي الزيدي، على عرض الفرص الاستثمارية التي يوفرها العراق، والتعريف بموقعه الجغرافي وموارده الطبيعية وحاجته إلى رؤوس الأموال والتكنولوجيا، بل اتسع ليشمل تفسيراً نظرياً جريئاً طرحه حول حركة التاريخ البشري منذ بداياته، مروراً بطريق الحرير، وصولاً إلى “طريق التنمية”، الذي لا يزال مشروعاً ينتظر أن يتحول من الخرائط والتصريحات إلى منشآت وسكك حديد وموانئ وشبكات نقل قابلة للعمل. وفي هذه الرحلة الفكرية السريعة عبر آلاف السنين، تراءى أن رجال الأعمال كانوا القوة التي صنعت التاريخ ودفعت المجتمعات إلى الأمام، وأن مستقبل العراق الاقتصادي يتوقف على قدرة المستثمرين على اغتنام الفرص المعروضة عليهم قبل أن تضيع.

ليس في دعوة المستثمرين إلى اغتنام الفرص ما يستدعي الاعتراض، فهذه إحدى وظائف الخطاب الاقتصادي للحكومات، لكن الإشكال يبدأ حين تتحول الدعوة إلى الاستثمار إلى محاولة لتفسير التاريخ البشري كله، وكأن المجتمعات والدول والحضارات لم تتشكل إلا بفعل المبادرات التجارية، متجاهلة بذلك تعقيد العوامل السياسية والاجتماعية والثقافية التي صنعت التحولات التاريخية.

حينما يغامر المسؤول بتحويل التاريخ إلى مادة للخطابة

لا شك في أن التجارة والتبادل الاقتصادي أسهما في تشكيل تاريخ المجتمعات، وأن التجار كانوا، في مراحل عديدة، وسطاء أساسيين في انتقال السلع والمعارف والتقنيات والمعتقدات بين مناطق العالم. لكن التاريخ البشري لم يبدأ مع رجال الأعمال، بل إن هذا التعبير نفسه ينتمي إلى عالم اقتصادي واجتماعي حديث نسبياً، ولا يصح إسقاطه على مجتمعات لم تكن تعرف الشركات ولا الأسواق الرأسمالية ولا أنظمة الاستثمار بالمعنى المعاصر. فقد عرفت البشرية جماعات للصيد والجمع، ثم مجتمعات زراعية ورعوية، ومدناً ودولاً وإمبراطوريات، وأنظمة للجباية وإعادة التوزيع، وأشكالاً متعددة من الملكية والتبادل، قبل ظهور المؤسسات الاقتصادية الحديثة.

وإذا كان المقصود أن المصالح الاقتصادية تؤدي دوراً أساسياً في حركة التاريخ، فهذه مسألة ناقشها آدم سميث وديفيد ريكاردو وكارل ماركس وماكس فيبر، وإن من منطلقات مختلفة وأحياناً متعارضة. ولم يكن هؤلاء بحاجة إلى اكتشاف أهمية التجارة، بل انشغلوا بأسئلة أكثر تعقيداً تتعلق بالعمل والإنتاج والملكية وتراكم رأس المال وعلاقة الاقتصاد بالمؤسسات الاجتماعية والسياسية. وحتى ماركس، الذي منح علاقات الإنتاج موقعاً مركزياً في تفسير التحولات التاريخية، لم يختزل التاريخ في نشاط التجار، فيما أظهر فيبر أن الفعل الاقتصادي لا يمكن فهمه بمعزل عن أنماط السلطة والقانون والدين والأخلاق والتنظيم الاجتماعي.

ومن حسن حظ هؤلاء المفكرين أنهم رحلوا قبل أن تُعرض عليهم الصيغة الزيدية المختصرة لتفسير التاريخ البشري، التي تختزل آلاف السنين من التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية في نشاط رجال الأعمال.

طريق الحرير: التجارة التي احتاجت إلى الدولة

ولعل طريق الحرير، الذي استهل به رئيس الوزراء حديثه واستحضره شاهداً على الدور التاريخي للتجار، يقدم مثالاً مناسباً على حدود هذا التفسير. فما نسميه اليوم طريق الحرير لم يكن طريقاً واحداً، ولا مشروعاً اقتصادياً وضعه رجال أعمال ثم طلبوا من الحكومات حمايته، بل شبكة متغيرة من المسالك البرية والبحرية، تشكلت عبر قرون وربطت الصين وآسيا الوسطى والهند وإيران وبلاد الرافدين وشرق المتوسط. وحتى التسمية نفسها حديثة، ارتبطت بأعمال الجغرافي الألماني فرديناند فون ريشتهوفن في القرن التاسع عشر.

وكان التجار والقوافل والوسطاء التجاريون من أهم الفاعلين في هذه الشبكات، لكن نشاطهم لم يكن مستقلاً عن السلطات السياسية. فقد لعبت الإمبراطوريات الصينية والفارسية، ثم الدول الإسلامية والإمبراطورية المغولية، أدواراً متفاوتة في تأمين الطرق وتنظيم الأسواق وحماية القوافل وإقامة المحطات وفرض الرسوم. وكانت الحروب وانهيار السلطات وتبدل موازين القوة تؤثر مباشرة في حركة التجارة وتدفعها أحياناً إلى تغيير مساراتها.

ولم تكن هذه الشبكات تنقل الحرير والتوابل والمعادن وحدها، بل انتقلت عبرها المعتقدات واللغات والمعارف والتقنيات، بل حتى الأمراض والأوبئة. مثلا، أسهمت شبكات التجارة والتنقل الأوراسية في انتشار الطاعون الأسود خلال القرن الرابع عشر، الذي تشير دراسات حديثة إلى أصوله في آسيا الوسطى، ضمن شبكة واسعة من الاتصالات امتدت شرقاً وغرباً. وعلى امتداد بعض الممرات نفسها تحركت الجيوش المغولية التي أعادت تشكيل خرائط السلطة والتجارة في مساحات واسعة من أوراسيا. وحتى جائحة كورونا الحديثة، التي سُجلت إصاباتها الأولى المعروفة في الصين، كشفت، في سياق مختلف تماماً، كيف يمكن لشبكات النقل والاتصال العالمية أن تسهم في الانتشار السريع للأوبئة.

فالتاريخ ليس ترتيباً لحكايات متفرقة في مجلس أو ديوان، ولا جمعاً لأمثلة تصلح لإسناد فكرة مسبقة، بل معرفة تقوم على المنهج والمصادر والتسلسل الزمني والتمييز بين الظواهر وأسبابها.

والمفارقة أن المثال الذي استُخدم لإظهار قدرة النشاط التجاري على صناعة التاريخ يصلح، بالقدر نفسه وربما أكثر، لتوضيح أن التجارة تحتاج أولاً إلى شروط سياسية وقانونية وأمنية لا يستطيع التاجر توفيرها بمفرده. وهذه مسألة تقع في صميم المشكلة الاقتصادية العراقية المعاصرة.

فالمستثمر الذي يفكر في دخول السوق العراقية لا يحتاج إلى من يقنعه بغنى البلاد بالنفط والغاز أو بأهمية موقعها الجغرافي، وإنما يحتاج إلى معرفة مدى استقرار القوانين، وقدرة المؤسسات على تنفيذ العقود، واستقلال القضاء، ووجود حماية فعلية من التدخلات السياسية والأمنية وشبكات النفوذ والمكاتب الاقتصادية التابعة للأحزاب والجماعات المسلحة والميليشيات، ومن سطوة بعض العشائر المسلحة. فلا معنى للحديث عن طريق تنمية يربط الخليج بتركيا وأوروبا إذا لم تكن الدولة قادرة على حماية الطريق وضمان سلامة البضائع ومنع تعدد مراكز الجباية والنفوذ.

تحويل صلاحيات الدولة إلى وعود و”كرم شخصي”

غير أن المسألة الأكثر إثارة للاهتمام في الخطاب الاستثماري الأخير للسيد علي الزيدي لا تتعلق بالتاريخ وحده، بل بالطريقة التي قُدمت بها الدولة العراقية إلى المستثمرين. فحين يتحول الحديث عن التسهيلات القانونية والإدارية إلى سلسلة من الوعود الشخصية، من قبيل “أعطيكم الأراضي”، و”أعفيكم من الضرائب والرسوم الكمركية”، و”أوفر لكم الحماية القانونية”، وصولاً إلى الحديث عن ضمانات يمكن الاحتكام بشأنها إلى جهات قضائية أو تحكيمية دولية يختارها المستثمرون، فإننا نغادر ميدان الترويج الاقتصادي لندخل إلى إشكالية أعمق تتعلق بتصور السلطة وحدودها وعلاقتها بالدولة.

وليس الاعتراض على مبدأ تقديم التسهيلات، فالدول تتنافس على جذب الاستثمارات من خلال تخصيص الأراضي والإعفاءات الضريبية والضمانات القانونية، وقد تقبل التحكيم الدولي وفق تشريعاتها واتفاقياتها. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين أن يقول رئيس حكومة إن التشريعات العراقية تتيح هذه الامتيازات وفق شروط محددة، وبين أن يتحدث كما لو أن الأرض والضرائب والقانون والضمانات تقع جميعها تحت تصرفه الشخصي، يمنحها لمن يشاء وبالصيغة التي يراها مناسبة.

في الحالة الأولى نحن أمام دولة تتحدث من خلال ممثلها التنفيذي، أما في الثانية فنحن أمام خطاب يحاول صاحبه الإيحاء بأن الدولة امتداد لإرادته الشخصية، في استعادة بعيدة، وإن اختلف السياق، للعبارة الشهيرة المنسوبة إلى لويس الرابع عشر: “الدولة أنا”. وهنا يبرز السؤال: ما الدولة في تصور بعض من يتولون قيادتها؟ هل هي مؤسسات توزع الصلاحيات وتحدد المسؤوليات، أم رصيد من الموارد والامتيازات يستطيع الحاكم التصرف به ما دام يشغل موقعه؟

وفي نظام دستوري برلماني كالعراق، لا يستمد رئيس مجلس الوزراء سلطته من تفويض شخصي مفتوح، وإنما من الدستور والثقة البرلمانية التي تحصل عليها حكومته. وهو، وإن كان المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، لا يحل محل السلطتين التشريعية والقضائية، ولا يستطيع التصرف بالمال العام أو الالتزامات القانونية خارج الصلاحيات والإجراءات المحددة قانوناً.

فالسيادة ليست صفة شخصية للحاكم، بل مبدأ يتعلق بالدولة وقدرتها على ممارسة اختصاصاتها وفق نظامها الدستوري والقانوني. وهي لا تتناقض بالضرورة مع الالتزامات الدولية أو التحكيم الاستثماري، لكنها تقتضي أن تنشأ هذه الالتزامات عن إرادة مؤسسية صحيحة، لا أن تبدو وعوداً شخصية في لقاء اقتصادي.

وتتضح المفارقة أكثر حين يتحدث الخطاب الرسمي عن هيبة الدولة واحتكار القرار، بينما يستمر التداخل بين المؤسسات وشبكات النفوذ السياسي والاقتصادي، وتبقى جهات قادرة على التأثير في العقود والمنافذ والأنشطة التجارية. وفي مثل هذه البيئة، لا يقاس الضمان الحقيقي ببلاغة الوعد، وإنما بقدرة الدولة على تنفيذه عندما تتعارض المصالح وتظهر النزاعات.

من منح الامتيازات إلى سؤال الأولويات

ولا تتوقف مسألة التصرف بموارد الدولة عند الوعود المقدمة للمستثمرين، بل تمتد إلى قرارات تثير أسئلة جدية حول ترتيب الأولويات. ومن الأمثلة الأخيرة قرار مجلس الوزراء إطفاء المبالغ الإضافية والغرامات التأخيرية المترتبة على الجامعات والكليات والمعاهد الأهلية بنسبة مئة في المئة عند تسديد أصل الضريبة خلال ستة أشهر، وبنسبة خمسين في المئة خلال الأشهر الستة التالية.

ومن الضروري التمييز بين الإعفاء من أصل الضريبة، وهو ما لم يتضمنه القرار، وإطفاء الغرامات والمبالغ الإضافية. لكن السؤال يبقى: لماذا تُمنح مؤسسات تعليمية استثمارية خاصة مثل هذه التسهيلات، بينما تعاني الجامعات الحكومية نقص الموارد وتراجع التجهيزات؟ وقد أثار الأكاديمي محمد الربيعي هذه المسألة، معتبراً أن القرار يعكس خللاً في ترتيب الأولويات، وأن الجامعات الحكومية أولى بالدعم. ويمكن للحكومة الدفاع عن قرارها باعتباره وسيلة لتشجيع تسديد الضرائب المتأخرة، لكن ذلك لا يعفيها من بيان حجم المبالغ التي تنازلت عنها، والمؤسسات المستفيدة، والمعايير المعتمدة، خصوصاً في بلد تتداخل فيه المصالح السياسية والاقتصادية وتثار فيه تساؤلات متكررة عن ملكية بعض المؤسسات الاستثمارية وعلاقاتها بمراكز القرار. وتزداد أهمية هذه التساؤلات مع تداول معلومات عن امتلاك شخصيات سياسية نافذة، أو أفراد من عائلاتها، جامعات وكليات أهلية (بدء من رئيس الحكومة ذاته صاحب جامعة الشعب ومرورا بنائبه محسن المندلاوي صاحب جامعة الفراهيدي)، الأمر الذي يستدعي الإفصاح عن المصالح المالية للمسؤولين المعنيين بالقرار، والتحقق من وجود تضارب محتمل بين المصلحة الخاصة وممارسة الوظيفة العامة. فمجرد امتلاك مؤسسة تعليمية لا يثبت تضارب المصالح قانوناً، لكن المشاركة في قرار قد يعود بالنفع المباشر على مؤسسة يملكها المسؤول أو أحد المقربين منه تطرح، بلا شك، مسألة تستحق الفحص والمساءلة.

وفي سياق آخر، أثار الإعلان عن تبرع رئيس الوزراء العراقي بمبلغ عشرة ملايين دولار من حسابه الشخصي، مناصفة بين الجامع الأموي ومقام السيدة زينب في دمشق، أسئلة لا تقل أهمية عن طبيعة الخطاب السياسي وأولوياته. فليس في المساهمة بترميم المعالم الدينية والتاريخية ما يدعو إلى الاعتراض، كما أن الاهتمام بصرحين كبيرين في الذاكرة الإسلامية، أحدهما ذو مكانة مركزية في التراث السني والآخر في التراث الشيعي، يمكن أن يحمل رسالة إيجابية في العلاقات العراقية السورية. لكن المسألة تتعلق بحجم المبلغ المعلن، وبالتأكيد أنه جاء من “المال الشخصي” لرئيس الحكومة، في وقت يعاني العراق من الفقر والبطالة والتفاوت الاجتماعي، وتعيش أعداد كبيرة من الأرامل والأيتام والعائلات المحتاجة.

ومن حق العراقيين أن يتساءلوا عن أولويات هذه المبادرة، وعن الدلالة السياسية والأخلاقية للإعلان عن ثروة شخصية بهذا الحجم لدى مسؤول عام. وليس هذا اتهاماً بمصدر الأموال، فإثبات مشروعيتها أو عدم مشروعيتها يحتاج إلى وثائق وإجراءات قانونية، لكنه سؤال مشروع عن الشفافية والمساءلة، وعن المسافة بين الخطاب الذي يتحدث باسم الفقراء والصورة التي يقدمها المسؤول عن قدرته المالية الشخصية.

وربما كان بالإمكان تحقيق الرسالة السياسية نفسها تجاه سوريا من خلال تعاون حكومي معلن لصيانة التراث الديني والتاريخي، بدلاً من تحويل المناسبة إلى مشهد للتبرع الشخصي بمبلغ استثنائي. فالمشكلة ليست في مساعدة الجامع الأموي أو مقام السيدة زينب، وإنما في تداخل الرمزية الدينية والمبادرة الشخصية وصورة الحاكم، في بلد لا تزال فيه حاجات اجتماعية ملحة تنتظر استجابة مؤسسية.

رجل الدولة وفن التواصل السياسي

لعل المقارنة مع التجارب التنموية الحديثة كانت ستكون أكثر فائدة من الرحلة السريعة في التاريخ القديم، ومن اختزال دور رجال الأعمال في تحريك عجلة التاريخ. فكوريا الجنوبية لم تصبح قوة صناعية بمجرد دعوة رجال الأعمال إلى اغتنام الفرص، بل عبر سياسات صناعية ومؤسسات تمويل وتخطيط وتعليم وبنى تحتية، وربط الدعم الاقتصادي بأهداف إنتاجية وتصديرية، وإن لم تخلُ تجربتها من التسلط السياسي والممارسات التعسفية والعلاقات الوثيقة بين السلطة والمجموعات الاقتصادية الكبرى. وكذلك ماليزيا، حيث ارتبط جذب الاستثمارات بسياسات طويلة الأمد لتطوير الصناعة والتعليم والبنى التحتية. وفي الحالتين كان الاستثمار جزءاً من استراتيجية دولة، لا مجرد سلسلة من التسهيلات والوعود الشخصية.

لنكن منصفين، ليس مطلوباً من رجل الدولة أن يعرف كل شيء، أو أن يكون خبيراً في التاريخ والاقتصاد والقانون والفلسفة واللغة. بل إن الاعتراف بحدود المعرفة قد يكون من علامات النضج السياسي، مثلما أن الاستعانة بالخبراء والباحثين ومراكز التفكير ليست انتقاصاً من سلطة القرار، وإنما وسيلة لترشيده. فالخطاب الرسمي، وخصوصاً حين يُلقى خارج البلاد وأمام جمهور دولي، ليس مناسبة لاختبار الأفكار التي تخطر في الذهن أو فرصة لاستعراض الثقافة الشعبية.

لقد عرف التاريخ السياسي الحديث قادة امتلكوا قدرة استثنائية على استخدام اللغة، من بينهم شارل ديغول الذي جعل من خطابه أداة لتحديد الاتجاه السياسي وإضفاء معنى على القرار، وونستون تشرشل الذي أولى إعداد خطبه وصياغتها عناية كبيرة خلال أحلك فترات الحرب العالمية الثانية. ولم تكن قوة تلك الخطابات في كثرتها، وإنما في قدرتها على التعبير عن لحظات تاريخية محددة بلغة متماسكة.

ولا يعني ذلك أن البلاغة معيار كافٍ لنجاح القادة، فالتاريخ يعرف خطباء كباراً أخفقوا في الحكم، ومسؤولين محدودي البلاغة حققوا نتائج مهمة. لكن التواصل السياسي عمل يحتاج إلى إعداد ومعرفة بالمؤسسات وإحساس بمسؤولية الكلمة. وحين يتحدث المسؤول كل يوم تقريباً، وفي كل موضوع، ويقدم في كل مناسبة وعداً أو تفسيراً أو استعارة جديدة أو مثلاً شعبياً أو «حسجة»، تصبح تصريحاته جزءاً من التدفق اليومي للأخبار والتندر عند العامة، وتفقد تدريجياً قدرتها على جذب الاهتمام، خصوصاً عندما تتسع المسافة بين كثافة الوعود وصعوبة الإنجاز.

وقد يمتلك المسؤول رغبة صادقة في خدمة بلاده، ويعبر عن التزامه بعبارات عاطفية تصل إلى إعلان استعداده «لتقديم حياته مهراً للبلاد»، لكن الدولة لا تُدار بمقدار استعداد الحاكم للتضحية، ولا بقدرته على التعبير عن محبته للوطن، وإنما بما يمتلكه من تصور واستراتيجية ومؤسسات قادرة على تحويل القرار إلى سياسة عامة قابلة للتطبيق والمراجعة والمحاسبة.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل خطاب عن الاستثمار والتنمية ليس فقط كم من الأموال يمكن جذبها، أو كم من الأراضي والإعفاءات يمكن منحها، وإنما أي نوع من الدولة سيستقبل هذه الاستثمارات، ومن سيضمن ألا تتحول التسهيلات إلى امتيازات انتقائية، وألا يصبح المستثمر مضطراً إلى البحث عن حماية سياسية أو حزبية إلى جانب الحماية القانونية.

فالعراق لا تنقصه الموارد الطبيعية ولا الموقع الجغرافي ولا الحاجة إلى الاستثمار، كما لا تنقصه الخطابات التي تعد بتحويله إلى مركز اقتصادي إقليمي. لكن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع يحتاج إلى دولة تجعل القانون أعلى من الأشخاص، والمؤسسات أقوى من شبكات النفوذ والأحزاب الزبائنية والفصائل المسلحة، والقرار الاقتصادي جزءاً من سياسة تنموية متماسكة، لا مجرد مبادرة شخصية.

وعندها فقط يصبح الحديث عن «طريق التنمية» أكثر من استعارة تستدعي طريق الحرير، وتصبح الدعوة إلى الاستثمار أكثر من وعد بتقديم الأراضي والإعفاءات والضمانات. فالدولة لا تُقاس بما يستطيع حاكمها أن يعد به، بل بما تستطيع مؤسساتها أن تضمنه دون أن يتوقف ذلك على شخصه. وهذه، في نهاية المطاف، هي المسافة الفاصلة بين إدارة بلد بوصفه ملكاً عاماً تحكمه القوانين، وإدارته كما لو كان مشروعاً خاصاً يستطيع صاحبه أن يقول للمستثمرين: أعطيكم، وأعفيكم، وأضمن لكم.

هشام داود
باحث في الانثروبولوجية السياسية