"شهر العسل" مع ترامب مهدد
الفصائل صعدت معه ولم تسلم سلاحها.. الزيدي يواجه مأزق تنفيذ الوعود لواشنطن – المدى
كشفت صحيفة المدى، نقلاً عن مصادر سياسية، اليوم الاثنين (26 تشرين الأول 2026)، أن “شهر العسل” بين رئيس الوزراء علي الزيدي والرئيس الأميركي دونالد ترامب يواجه اختباراً صعباً، وقد لا يصمد حتى العام المقبل، مع حديث عن خلاف داخل الإدارة الأميركية بشأن تقييم وضع العراق، وتقليص دور المبعوث الرئاسي توم براك، الذي يُعد الداعم الأبرز للزيدي. لكن مصدراً من داخل التحالف الشيعي يكشف عن ترجيحات بأن يغيّر ترامب موقفه من الزيدي، مع وجود آراء داخل واشنطن مفادها: “دعوا توم براك يقول ما يشاء، ونحن سنفعل ما نشاء”، في إشارة إلى تباين بين موقف الخارجية الأميركية وموقف المبعوث الرئاسي، وهو ما تؤكده تصريحات الخارجية الأخيرة بأن “بغداد عاجزة عن حماية الأميركيين”.
وتربط أطراف شيعية دعم براك للزيدي بحسابات ومصالح تتجاوز السياسة، مستندة إلى تقارير غربية تحدثت عن صلته بمشروع أنبوب لنقل النفط من العراق إلى سوريا، من دون تأكيد مستقل لهذه المزاعم، لكن الحديث عنها يجري داخل الأوساط الشيعية التي تراقب موقف واشنطن من الزيدي.
وبحسب المصادر، يواجه الزيدي مأزقاً آخر مع الفصائل التي صعدت إلى السلطة و”استغلته” دون أن تدفع ثمن ذلك عبر التخلي عن ترسانتها، وتنقل صحيفة المدى عن مصدر قوله إن “الزيدي لم يعتقل حتى الآن الرؤوس الكبيرة المتهمة بالفساد، وإن الفصائل استغلته للوصول إلى السلطة، وانتزعت مواقع حكومية من دون أن تقدم المقابل الذي تطلبه واشنطن”، معتبراً أن الحديث عن نزع السلاح لا يزال أقرب إلى إجراء شكلي. فالفصائل التي أعلنت استعدادها لتسليم أسلحتها لم يُعرف أين وضعتها، ولم يشاهد أحد عملية تسليم فعلية.
وتلفت المدى إلى أن هذه التطورات السياسية يرافقها على الأرض حراك شعبي وضغط داخلي يتعلق بالأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وإذا اندلعت المواجهة الأميركية الإيرانية مجدداً قد تجد بغداد نفسها في اختبار بين التزامها مع واشنطن وعلاقتها مع طهران وإذا فشلت في الاختبار وتغير الموقف الأميركي فإن العراق سيواجه إدراجه ضمن الدول التي تتعرض لسياسة الضغوط القصوى.
نص تقرير صحيفة المدى، تابعته شبكة 964:
يعتقد طيف داخل التحالف الشيعي أن شهر العسل بين دونالد ترامب وعلي الزيدي قد لا يصمد إلى نهاية العام الحالي، أو الأشهر الأولى من العام المقبل. في واشنطن، بدأ نقاش يصل صداه إلى بغداد، عن تجاوز توصيات توم باراك والاستماع إلى تقييم آخر للعراق، قد يقلب حسابات رئيس الحكومة.
الزيدي يبدو، بحسب هذه المداولات، محاصراً من الفصائل التي استخدمته سلماً للصعود إلى السلطة من دون أن تدفع الثمن، فيما يفتح الشارع جبهة أخرى ضده، احتجاجاً على سياساته الاقتصادية.
وأمس، أحيا محتجون في ساحة التحرير ذكرى احتجاجات تشرين، مطالبين بتحسين المعيشة ومحاسبة الفصائل المتهمة بقتل متظاهرين قبل 7 سنوات. وسبقت التظاهرة إجراءات أمنية مشددة، شملت تطويق المطعم التركي وإغلاق مداخل الساحة والأزقة المحيطة بها، ومنع مرور الشاحنات والدراجات النارية على مسافة كيلومترات. وجاءت الاحتياطات رغم إعلان الزيدي عزمه تعيين أكثر من 600 ألف شخص، وحديثه عن تدفق شحنات الدولار من الولايات المتحدة.
ولا تنفصل هذه التطورات، في نظر أوساط سياسية شيعية، عن مستقبل العلاقة مع واشنطن. فالزيدي يمضي، بحسب هذه الأوساط، مستنداً إلى ما يقوله باراك، الذي ما زال يوفر له الدعم، لكنه لا يستطيع ضمان أن يبقى المبعوث الرئاسي صاحب الكلمة الأكثر تأثيراً في تحديد السياسة الأميركية تجاه العراق. وبحسب تسريبات نقلها مصدر في مكتب أحد قيادات الإطار التنسيقي إلى (المدى)، فإن هناك ترجيحات بأن يغير ترامب موقفه من الزيدي. ويلخص المصدر أحد الآراء المتداولة في واشنطن بعبارة: “دعوا توم باراك يقول ما يشاء، ونحن سنفعل ما نشاء”.
مبعوث واحد وواشنطن أخرى
في الصيف الأخير، استضاف ترامب الزيدي في واشنطن، وسط استقبال وصفته الأوساط العراقية بأنه استثنائي، وأُعلن خلال الزيارة عن اتفاقيات وبروتوكولات تجاوزت قيمتها 60 مليار دولار. ومنذ ذلك الحين، قدم باراك دعماً لرئيس الحكومة، فيما بدا أن الزيدي يستند إلى هذا الدعم لدفع سياساته في ملفات الاقتصاد والسلاح والعلاقة مع الفصائل.
غير أن تصريحات وزارة الخارجية الأميركية الأخيرة بشأن الوضع الأمني في العراق أعادت فتح النقاش حول طبيعة هذا الدعم. فقد قالت الوزارة إن الوضع في العراق غير آمن للأميركيين، وإن بغداد عاجزة عن حمايتهم، وهو تقييم يتعارض مع الصورة التي يقدمها باراك عن العلاقة مع الحكومة العراقية.
وتتحدث مصادر ومحللون عن خلافات بين المبعوث الرئاسي ووزارة الخارجية بخصوص الملف العراقي. وفي بغداد، يراقب قادة شيعة هذه الخلافات.
وتلمح أطراف شيعية إلى أن استمرار باراك في دعم الحكومة قد يرتبط أيضاً بحسابات ومصالح تتجاوز السياسة، مستندة إلى ما تداولته صحافة غربية بشأن صلته بمشروع أنبوب لنقل النفط من العراق إلى سوريا. وهي مزاعم لم يُقدَّم ما يثبتها بصورة مستقلة، لكنها تُستخدم في النقاش السياسي العراقي للتشكيك في دوافع المبعوث الأميركي.
بالنسبة إلى الزيدي، فإن المشكلة لا تقتصر على احتمال تغير المزاج في البيت الأبيض. فالدعم الذي يتلقاه من باراك لا يضمن بالضرورة توافق المؤسسات الأميركية الأخرى مع حكومته، خصوصاً في الملفات التي تعتبرها واشنطن جزءاً من التزامات بغداد الأمنية والسياسية. ويقول إحسان الشمري، رئيس مركز التفكير السياسي، إن تصريحات الخارجية الأميركية تكشف عن “تباين في موقف الإدارة الأميركية من الزيدي كرئيس وزراء ومن حكومته”، وكذلك من طبيعة التعامل مع الملفات التي تركز عليها الولايات المتحدة بوصفها جزءاً من التزامات الدعم.
ويضيف الشمري لـ (المدى) أن التباين يبدو واضحاً بين وزارة الخارجية ووزارة الحرب من جهة، وبين باراك وترامب من جهة أخرى، في التعامل مع رئيس الوزراء العراقي. ويرى أن اقتصار التواصل مع بغداد على المبعوث الرئاسي، مع غياب انخراط أكبر من الخارجية أو وزارة الحرب، كما حدث في حكومات عراقية سابقة، يشير إلى وجود تيارين داخل الإدارة الأميركية. لكن الأهم، بحسب الشمري، أن تصريحات الخارجية، باعتبارها مواقف رسمية، تدل على وجود محاولة داخل إدارة ترامب لإعادة تقييم الدعم المقدم إلى رئيس الوزراء والحكومة التي شكلها.
ويضيف أن وجود جهات داخل الحكومة مدرجة على قوائم الإرهاب الأميركية قد يولد مشكلات كبيرة بين التيارات المختلفة داخل الإدارة، بما قد ينعكس على طريقة تعامل الولايات المتحدة مع حكومة الزيدي.
الفصائل التي صعدت معه
وفي بغداد، لا يُنظر إلى الخلاف الأميركي باعتباره مسألة دبلوماسية بعيدة عن التوازنات الداخلية.
فثمة قوى شيعية ترى أن الزيدي وصل إلى رئاسة الحكومة بمساعدة الفصائل التي أغلبها موجود داخل الإطار التنسيقي الحاكم، لكنه يواجه الآن معضلة مزدوجة، وهي إدارة علاقة مع واشنطن تشترط معالجة ملف السلاح، والحفاظ على توازن سياسي مع قوى لا تريد أن تدفع ثمن هذا التقارب عبر التخلي عن ترسانتها أو نفوذها.
ويقول نائب سابق، طلب عدم نشر اسمه، إن الزيدي لم يعتقل حتى الآن الرؤوس الكبيرة المتهمة بالفساد، وإن الفصائل استغلته للوصول إلى السلطة، وانتزعت مواقع حكومية من دون أن تقدم المقابل الذي تطلبه واشنطن، أي نزع السلاح. ويضيف لـ (المدى) أن هذه القوى استفادت من إلغاء الفيتو الأميركي، ومن الانسحاب العسكري الأميركي، من دون أن تتخلى عن أدوات القوة التي تملكها.
في تقدير النائب السابق، فإن الحديث عن نزع السلاح لا يزال أقرب إلى إجراء شكلي. فالفصائل التي أعلنت استعدادها لتسليم أسلحتها لم يُعرف أين وضعتها، ولم يشاهد أحد عملية تسليم فعلية، على حد قوله.
وكانت بعض الطروحات قد تحدثت عن وضع الأسلحة في مخازن تابعة لهيئة الحشد الشعبي، باعتبار أن هذه الفصائل لا تثق بالحكومة، وبأن تخزينها لا يعني التخلي عنها، إذ يمكن استخدامها مجدداً في حال اندلاع حرب.
في المقابل، لا تزال فصائل ترفض تسليم سلاحها من الأساس، وتعتبر ما يجري محاولة أميركية للهيمنة على الاقتصاد العراقي وإشراك بغداد في حصار إيران.
وتكشف هذه الاتهامات عن حجم الفجوة بين ما تحاول الحكومة تقديمه بوصفه تعاوناً أمنياً مع واشنطن، وما تعتبره الفصائل تدخلاً أميركياً في القرار العراقي.
وهي فجوة قد تتسع إذا عادت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وأصبح على بغداد الاختيار بين التزاماتها مع واشنطن وعلاقاتها مع طهران.
حكومة لا يملك رئيسها وحده قرارها
داخل القصر الحكومي، لا يبدو المشهد أكثر استقراراً. فبحسب مصادر قريبة من الحكومة، أعاد الزيدي أداء وزرائه القسم مجدداً، في خطوة قد تعكس عدم ثقته الكاملة بالمحيطين به، وسط شكوك بشأن ولاء بعض أعضاء فريقه الحكومي. وكان المتحدث باسم الحكومة، حيدر العبودي، قد قال إن الزيدي لم يكن صاحب مقترح توسيع الحكومة أو إضافة مناصب جديدة. وبعد أيام قليلة من تولي قيادات جديدة هذه المناصب، بدأت تظهر الخلافات بشأن حدود صلاحياتها. وتحدث القيادي السابق في حزب الدعوة عزت الشابندر عن محاولات للسطو على منصب رئيس الحكومة، في إشارة إلى صراع مبكر على النفوذ داخل السلطة التنفيذية.
وكانت (المدى) قد كشفت عن قول أحد نواب رئيس الوزراء إن رئاسة الحكومة أصبحت “هيئة رئاسة”، ما يعني أن الزيدي سيكون مضطراً إلى مراعاة اتفاق نوابه أو أغلبيتهم.
ولا يتعلق الأمر هنا بعدد المناصب الجديدة أو كلفتها المالية وحدها، بل بما يمكن أن تفعله بتوازن السلطة داخل الحكومة. فكلما اتسعت دائرة أصحاب القرار، أصبح من الصعب تحديد من يملك الكلمة الأخيرة في الملفات الحساسة، من الاقتصاد إلى السلاح والعلاقة مع واشنطن.
ويقول الشمري إن بغداد تحاول، عبر تصريحاتها، إظهار أن علاقاتها مع ترامب وباراك لا تزال جيدة. لكنه لا يعتقد أن هذه التصريحات تعكس بالضرورة دعماً أميركياً ثابتاً للتشكيلة السياسية الحالية.
ويرى أن الإطار التنسيقي يدرك أن الغضب الأميركي ليس في مصلحته، ولذلك يحاول التمسك بخطاب يؤكد إيجابية العلاقة مع إدارة ترامب. في الوقت نفسه، تواجه حكومة الزيدي عقبات داخلية، بينها الجدل حول سعر صرف الدينار، والضغوط الاقتصادية، وملف حصر السلاح بيد الدولة. ويقول الشمري إن من مصلحة الحكومة الحفاظ على صورة العلاقة الجيدة مع واشنطن، لأنها قد تساعد في دفع الفصائل الأخرى إلى الانضباط ضمن مشروع تنظيم السلاح ومعالجته.
لكن هذه الحسابات تفترض أن الدعم الأميركي سيظل متاحاً، وأن الخلافات داخل الإدارة لن تتحول إلى ضغوط مباشرة على الحكومة.
حدود الحرب المقبلة
تزداد هذه المعضلة تعقيداً مع احتمال استئناف ترامب الحرب على إيران. فالزيدي يعلن صراحة أنه لن يتخلى عن خطة نزع السلاح، لكن المصادر السياسية تتحدث عن قلق حكومي من أن تتحول المواجهة الإقليمية إلى اختبار مباشر لقدرة بغداد على منع الفصائل من استخدام الأراضي العراقية في الصراع.
وتخشى الحكومة أن تجد نفسها متورطة في ما يُعرف بـ”وحدة الساحات”، بعدما سبق لفصائل عراقية أن هاجمت مصالح أميركية ودول الخليج. ويُعتقد أن هذه المخاوف دفعت الزيدي أخيراً إلى تشديد الإجراءات على الحدود مع إيران. وبالنسبة إلى النائب السابق، فإن الرسائل التي تلقتها دول المنطقة باتت واضحة: “إما أن تكون مع الإرهاب أو ضده، إما أن تكون مستفيداً منه أو لا فائدة تحصل عليها من خلال أمريكا وبريطانيا وأوروبا والعالم”. ويضيف أن دول المنطقة لا تملك سوى فسحة زمنية صغيرة لإبعاد هذه الشبهة والاتهامات عن نفسها، كي لا تصبح أهدافاً للولايات المتحدة وبريطانيا وحلفائهما الجدد، سواء داخل المنطقة أو خارجها. ويحذر من أن هذه الدول والأنظمة قد تواجه تداعيات مشابهة لما واجهه النظام الإيراني أو يواجهه الآن.
وتضع هذه الرسائل الحكومة العراقية أمام معادلة أكثر تعقيداً من مجرد تحسين العلاقة مع واشنطن. فالمطلوب، بحسب هذا التصور، ليس الاكتفاء بإعلان الالتزام بحصر السلاح، بل إظهار قدرة فعلية على منع استخدامه في صراعات إقليمية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على توازن داخلي لا تزال الفصائل المسلحة جزءاً أساسياً منه. ويحذر الشمري من أن استمرار التباين داخل الإدارة الأميركية، بالتزامن مع عدم القدرة على تنفيذ الالتزامات المتعلقة بتفكيك منظومة سلاح الفصائل، وإنهاء نفوذها السياسي، ومعالجة المسارات الاقتصادية وملف العلاقة مع إيران، قد يدفع ترامب إلى سحب دعمه من الزيدي.
ويرى أن تغير الموقف الأميركي، إذا حدث، قد ينعكس بصورة كبيرة على العراق، ويدفع باتجاه إدراجه ضمن الدول التي تتعرض لسياسة الضغوط القصوى.