عن جيل Z والكاسر الأكبر
17 تشرين الأول: ثلاثة شوارع وفرنسا واحدة.. مقال الدكتور هشام داود
كان يوم السبت، 17 تشرين الأول / أكتوبر، يوماً فرنسياً استثنائياً، ليس فقط بحجم الذين نزلوا إلى الشوارع، أكثر من 800 ألف متظاهر بحسب منظمي الاحتجاجات ونحو 550 ألفاً بحسب الشرطة، وإنما بما جمعه، بالمصادفة، من ثلاث حركات مختلفة في أسبابها وأجيالها وذاكرتها، تواجه كل منها، بطريقتها، سلطة الدولة. ففي باريس استُعيدت تظاهرة منفصلة هي ذكرى 17 تشرين الأول / أكتوبر 1961، حين خرج آلاف الجزائريين سلمياً ضد حظر التجول التمييزي الذي فرضه محافظ الشرطة موريس بابون، فقوبلوا آنذاك بقمع دموي أوقع قتلى وجرحى وآلاف المعتقلين. وفي شوارع باريس ومدن فرنسية أخرى خرجت النقابات، في اليوم نفسه، احتجاجاً على غلاء المعيشة وتآكل القدرة الشرائية ومطالبة بزيادة الأجور. أما المشهد الثالث، وربما الأكثر دلالة على المستقبل، فكان اتساع الحركة الطلابية والشبابية أيضا في يوم 17 تشرين الأول / أكتوبر الماضي، وخصوصاً بين طلاب الثانويات، أي بين أولئك الذين لا يحتجون فقط على فرنسا التي يعيشون فيها، بل على فرنسا التي يخشون أن يرثوها.
هكذا اجتمعت، في يوم واحد، ثلاث مظاهرات وثلاث علاقات مختلفة بالدولة: ذاكرة تستعيد عنف دولة استعمارية ضد جزائريين كانوا يطالبون باستقلال بلادهم، وحركة اجتماعية تطالب بتوزيع أكثر عدلاً للثروة وبحماية القدرة الشرائية، وجيل جديد يسأل عن المدرسة والجامعة والعمل والسكن والمستقبل. ومن العبث، بالطبع، إقامة مماثلة بين فرنسا 1961 وفرنسا 2026، غير أن اجتماع هذه الصور في اليوم نفسه كان من تلك المصادفات التي تجعل التاريخ، من دون أن يعيد نفسه، يبدو كأنه يعلّق على الحاضر.
ولم تعد الدولة الفرنسية، في حقيقة الأمر، تنكر ما جرى في 17 تشرين الأول / أكتوبر 1961 كما فعلت طويلاً، فقد اعترفت بالقمع الدموي وبمسؤولية السلطات الفرنسية عنه، فيما بقي الخلاف قائماً حول الذهاب بهذا الاعتراف إلى نهايته وتسميته “جريمة دولة”. وهكذا لم يعد النقاش يتعلق بإثبات أن الجريمة وقعت بقدر ما يتعلق بقدرة الجمهورية على تسمية ماضيها الكولونيالي بلا مواربة.
على أن الصور التي جابت العالم مساء 17 تشرين الأول / أكتوبر الجاري لم تكن صور الذاكرة وحدها، فقد ظهرت فرنسا أيضاً في صور المواجهات: الشرطة والغاز والهراوات، الواجهات المحطمة والمتاجر المنهوبة، ومجموعات شبابية ملثمة أعادت إلى القاموس السياسي والإعلامي الفرنسي كلمة قديمة les casseurs.
“الكاسرون”: كلمة أقدم من أيار 1968
ليس للمصطلح مقابل عربي مُرضٍ تماماً، فكلمة “المخربون” تحمل حكماً مسبقاً، و”مثيرو الشغب” لا تؤدي المعنى كله وتحمل بدورها حكماً أخلاقياً، لذلك قد يكون “الكاسرون” أو “جماعات التكسير” أقرب إلى المقصود، مع الاحتفاظ بالمصطلح الفرنسي عند الحاجة.
في البدء، أن ظاهرة casseurs les ليست اختراعاً لغوياً لعصرنة حركة شباب 1968 الشهيرة. فالكلمة ظهرت لأول مرة في الصحافة الفرنسية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، في زمن كانت باريس تعيش الثورات والانتفاضات والمتاريس والعنف السياسي والاجتماعي الذي أعقب ثورة تموز 1830 وانتفاضة حزيران 1832. كان ذلك الواقع الاجتماعي والسياسي المتفجر نفسه الذي سيغذي لاحقاً مخيلة فيكتور هوغو في “البؤساء”: باريس الفقر واللامساواة والاضطراب والمتاريس، حيث يختلط المهمش بالثائر، والمجرم بالطالب والعامل، وحيث تحاول السلطة باستمرار أن تفصل بين “الشعب” الذي يمكن الاعتراف بمطالبه و”الرعاع” الذين ينبغي قمعهم. وهي أيضاً أجواء الثورة والشارع التي وجدت تعبيرها البصري الأشهر في لوحة أوجين دولاكروا “الحرية تقود الشعب”.
لهذا لم تكن الكلمة بريئة تماماً في تاريخ استعمالها حتى اليوم، فهي تصف، من جهة، واقعاً لا يمكن إنكاره، إذ ثمة بالفعل من يحطم وينهب ويحرق. لكنها تؤدي من جهة أخرى، وظيفة سياسية وإعلامية، حيث تفصل “المتظاهر الجيد” عن “الكاسر”، لينتقل حالا مركز النقاش، حين تطغي صور العنف، من السؤال: لماذا يتظاهر الناس؟ إلى سؤال مختلف تماماً: كيف نعيد النظام إلى الشارع؟ وليس غريبا بعد ذلك ان تقرر الحكومة الفرنسية فرض منع تجوال في العديد من الحواضر واحياء معينة من المدن الكبيرة، بل الحديث يجري حتى عن انزال قطاعات من الجيش لحفظ الأمن العام.
لا يحتاج الأمر إلى مواربة في الموقف من العنف: لا يوجد أي مبرر سياسي لتحطيم صيدلية أو نهب متجر أو إحراق سيارة مواطن باسم الدفاع عن المدرسة أو العدالة الاجتماعية. فالكاسرون لا يمثلون مئات الآلاف الذين يتظاهرون، لكن يستطيع عشرات أو مئات منهم، خلال ساعة واحدة، أن يهدموا جزءاً من الشرعية التي بنتها حركة اجتماعية خلال أسابيع وأشهر. ليس هذا فقط، فإدانة هؤلاء لا تغلق النقاش، بل تقود لسؤال آخر يتعلق بالدولة نفسها: لماذا بدت قوات الشرطة، في أكثر من مكان، أقل عدداً وقدرة على الحركة من مجموعات casseurs les؟ هل كان الأمر نتيجة سوء تقدير استخباراتي وأمني، أم خللاً في عقيدة حفظ النظام، أم أن هناك خياراً لم تتضح أبعاده بعد، يقوم، كما يعتقد بعض الفرنسيين، على ترك مشاهد التكسير تتقدم إلى واجهة الصورة بما يسيء إلى حركة تتمتع بتعاطف واسع داخل الرأي العام كما اشارت له العديد من التحقيقات الصحفية؟
لا تتوافر حتى الآن معطيات تسمح بتحويل الفرضية الأخيرة إلى حقيقة مثبتة، لكن السؤال أصبح مشروعاً بما يكفي لكي تتحرك الجمعية الوطنية في اتجاه تشكيل لجنة تحقيق تتناول عمل أجهزة الأمن ومستوى الاستعداد وحجم القوات المنتشرة وطريقة إدارتها. كما أن القلق من ممارسات الشرطة أقدم من أحداث ذلك اليوم، إذ سبق لمنظمات حقوقية فرنسية ودولية أن حذرت من الاستخدام غير المتناسب للقوة في التعامل مع تحركات الشباب والقاصرين.
المسألة، بهذا المعنى، لا تفرض الاختيار بين الشرطة والكاسرين، فيمكن إدانة من يكسر واجهة متجر، وفي الوقت نفسه مساءلة الشرطة حين تستخدم القوة المفرطة ضد الطلبة. فالديمقراطية تخسر شيئاً من معناها عندما تصبح الهراوة جواباً عن الاحتجاج، مثلما يخسر الاحتجاج شرعيته عندما يتحول إلى نهب.
بورديو وتورين وغرايبر: ماذا تركوا لنا لفهم ما يحدث؟
تمتلك فرنسا، للمفارقة، واحداً من أغنى التقاليد الفكرية والسوسيولوجية لفهم ما يحدث لها اليوم. رحل بيير بورديو وآلان تورين، وترك كلاهما أدوات تبدو أحياناً أكثر قدرة على تفسير المشهد الراهن من كثير من التعليقات اليومية والمواقف الحكومية.
فلو نظرنا إلى حال المدارس الحكومية الفرنسية اليوم بعين بيير بورديو، لكان السؤال أقل براءة من الاكتفاء بالحديث عن “تكافؤ الفرص” في الدستور الفرنسي وقوانينه العامة. ففي كتابه “الورثة”، ثم في عمله الآخر “إعادة الإنتاج”، بيّن بورديو وزميله باسرون كيف تستطيع المؤسسة التعليمية ماديا ورمزيا، وهي تدعي المساواة، أن تعيد إنتاج المراتبية الاجتماعية، لأن الطلاب بكل بساطة لا يصلونها حاملين رأس المال الثقافي والاجتماعي نفسه. واليوم يعود هذا السؤال بقوة: فالجامعة أصبحت أكثر انفتاحاً بلا شك، لكن دمقرطة الدخول إلى التعليم العالي لا تعني بالضرورة دمقرطة الوصول إلى المؤسسات التي تصنع النخب. فالفجوة الاجتماعية ما تزال كبيرة بين الجامعة المفتوحة والمدارس العليا (grandes écoles)، فيما يستعيد مفهوم “الورثة” راهنيته المثيرة: فمدرسة الجمهورية، كما يقال في فرنسا، التي يفترض أن تمنح الجميع فرصاً متساوية وأن تصحح، قدر الإمكان، تفاوتات المنشأ الاجتماعي، قد تنتهي، إذا اختلت هذه الوظيفة كما نراه اليوم، إلى إعادة إنتاج التفاوت نفسه، والأسوأ أنها قد تجعل الامتياز الموروث يبدو كما لو كان ثمرة طبيعية للاستحقاق الفردي وحده.
ومن المدرسة إلى الحركة الاجتماعية نصل بصورة طبيعية عند آلان تورين، الذي جعل، لا سيما في النصف الأول من حياته البحثية، من الحركات الاجتماعية أحد المداخل الكبرى لفهم المجتمع الحديث. وكان تورين سيجد اليوم فرنسا مختبراً مثالياً لفكرة لازمته طويلاً: فالفاعل الاجتماعي لا يتحرك فقط من أجل زيادة راتب أو إلغاء قرار، وإنما أيضاً من أجل حقه في التأثير في الاتجاه الذي يسير نحوه المجتمع. ومن هنا تكتسب الحركة الشبابية الراهنة أهمية تتجاوز مطالبها المباشرة، لأنها تطرح، في العمق، سؤالاً عن المكان الذي يريده جيل جديد لنفسه داخل المجتمع الفرنسي.
ومن زاوية أخرى، يساعدنا ديفيد غرايبر، الأنثروبولوجي الأميركي الذي توفي سنة 2020، على فهم شكل هذه الحركات وطريقة تنظيمها. فقد كان غرايبر قريباً من تجربة “احتلوا وول ستريت” (Occupy Wall Street) سنة 2011، ودافع عن نمط من العمل السياسي يقوم على التنظيم الأفقي واتخاذ القرار بصورة جماعية، بدلاً من القيادة المركزية التي تتحدث باسم الحركة. والفكرة الأساسية هنا أن غياب الزعيم لا يعني بالضرورة غياب التنظيم، فقد تختار الحركة أن تنظم نفسها من خلال شبكات ومجموعات متعددة، من دون أن تمنح شخصاً أو جهازاً واحداً حق تمثيلها.
غير أن ما يمنح هذا النموذج قوته هو نفسه ما قد يتحول إلى نقطة ضعفه: فالحركة التي يصعب احتواؤها لأنها لا تمتلك قيادة مركزية، يصعب عليها أيضاً أن تحدد من يتفاوض باسمها، وأن تنتقل من الاتفاق على ما ترفضه إلى الاتفاق على ما تريد بناءه. وقد ظهرت هذه المعضلة مع Occupy Wall Street، ثم عادت بأشكال مختلفة في تشرين العراق ولبنان، وهي تساعدنا اليوم، مع اختلاف السياقات، على فهم جانب من الحركة الشبابية الفرنسية.
وإذا كان بورديو وتورين وغرايبر قد رحلوا، فإن بعض كبار المفكرين الفرنسيين الأحياء وجّهوا منذ سنوات نقداً شديداً لشكل ونمط الحكم الذي دخل منذ سنوات في ازمة بنيوية، خاصة للماكرونية نفسها. مارسيل غوشيه، على سبيل المثال، لم ينتظر نهاية التجربة الماكرونية كي يشكك في أسسها، فقد رأى فيها مبكراً تصوراً فقيراً للسياسة وللتاريخ الفرنسي، وفي الاعتقاد بإمكان تجاوز اليمين واليسار بواسطة التحديث التقني والإدارة والخبرة، وما ذلك إلا نوعاً من سوء فهم للمجتمع السياسي الفرنسي. فرنسا ليست شركة ولا بنكاً يبحثان عن إداري manager أكثر كفاءة، بل مجتمع شديد التسييس، مثقل بتاريخ طويل من الصراعات الطبقية والقوى الوسطية والنقابات والتقاليد الجمهورية، ولا يمكن إلغاء تناقضاته بإعلان أن الانقسام القديم بين اليمين واليسار أصبح متجاوزاً.
ومن موقع مختلف، وصل بيير روزنفالون، المؤرخ الكبير للديمقراطية والدولة الاجتماعية، إلى نقد أكثر قسوة، ولا سيما أثناء أزمة إصلاح نظام التقاعد، عندما رأى أن الدولة الفرنسية بردائها الماكروني تواجه أزمة ديمقراطية استثنائية. لم يكن يعني بذلك أن الجمهورية توقفت عن العمل، فالمفارقة أن المؤسسات تعمل، والقوانين تصدر، والمحاكم موجودة، والانتخابات تجري، والشرطة تقمع، لكن الديمقراطية، في نظر روزنفالون، لا تُختزل في سلامة الإجراءات. إنها أيضاً الإنصات والمداولة والوساطة médiation، والشعور بأن المحكوم ليس مجرد متلقٍ للقرار، بل موجود داخل عملية الحكم نفسها.
10 سنوات من الماكرونية: من الوعود إلى الانسداد
وصل إيمانويل ماكرون إلى قصر الإليزيه سنة 2017 في لحظة إنهاك شديد للنظام الحزبي، وبعد رئاسة نيكولا ساركوزي، وبشكل خاص فرانسوا هولاند التي انتهت بكارثة سياسية لليسار الحاكم، إلى درجة أن الرئيس نفسه لم يترشح لولاية ثانية. وفي قلب ذلك الانهيار السياسي والأخلاقي قدم ماكرون نفسه بوصفه جواباً عن عالم قديم استنفد إمكاناته: لا يمين ولا يسار، بل كفاءة وتحديث وعولمة وإصلاح.
كان الوعد جذاباً لأنه التقط أزمة حقيقية، إلا أن الماكرونية حاولت تجاوز الانقسام السياسي قبل أن تتجاوز الأسباب الاجتماعية التي تنتجه، فإعلان نهاية اليمين واليسار لا يلغي المصالح الاجتماعية ولا التفاوتات ولا اختلاف الرؤى حول الدولة والاقتصاد والعدالة. وعندما جاءت انتخابات 2022، لم يعد التصويت لماكرون يحمل المعنى نفسه الذي حمله سنة 2017. فأغلبية من اختارته في الدورة الثانية لم يصوتوا لمشروعه بقدر ما صوتوا لرئيسة الحزي اليميني المتطرف، مارين لوبان، من الوصول إلى الإليزيه، وهي مسألة أساسية لفهم ما جرى بعد ذلك: أصوات السد في وجه اليمين المتطرف ليست بالضرورة أصوات تفويض للماكرونية.
ومن هنا تظهر إحدى أكثر مفارقات الماكرونية قسوة، فالمشروع الذي قدم نفسه باعتباره السد الأكثر فعالية أمام اليمين المتطرف قد يصبح بعد اشهر، في الانتخابات الرئاسية القادمة، أحد الجسور التي تقود إليه. فكلما اتسع شعور الفرنسيين بأن الخيارات السياسية تضيق، وأن الاعتراض الاجتماعي لا يغير القرار، وأن الأحزاب التقليدية فقدت قدرتها على التمثيل، وأن النخب السياسية والاجتماعية تعيد إنتاج نفسها، ازدادت قدرة حزب التجمع القومي المتطرف على تقديم نفسه بوصفه البديل الذي لم يُجرَّب بعد. وهذا سيكون ربما أخطر إخفاق للماكرونية: ليس فقط أنها لم تهزم اليمين المتطرف، بل أنها حكمت ما يقارب عشر سنوات فيما واصل هذا اليمين الاقتراب من السلطة.
جيل Z: حركة يصعب التفاوض معها
يصعب، من هذا المنظور، التعامل مع الحركة الطلابية الحالية بوصفها نسخة متأخرة من أيار / مايو 1968، فسوسيولوجيتها مختلفة، وكذلك العالم الذي أنتجها. هؤلاء، في معظمهم، أبناء جيل Z، ومن يبلغ اليوم الثامنة عشرة كان طفلاً عندما وصل ماكرون إلى السلطة، بحيث تكاد الماكرونية لهم ان تكون كل فرنسا السياسية التي عرفوها (هنا أيضا التشابه صادم مع شباب تشرين العراق الذين لم يعرفوا بعد 2003 غير الأحزاب السياسية الحاكمة وفصائلها المسلحة). لقد نشأ هذا الجيل في فرنسا مع حركة السترات الصفراء، وجائحة كورونا، وأزمة المناخ والبيئة، والتضخم، والإصلاح المجحف لمنظومة التقاعد، وازمة السكن المستفحلة، والقلق بشأن العمل حيث تبلغ نسبة البطالة بين الشباب الأعلى اوروبيا، وفي فضاء رقمي وشبكات التواصل الاجتماعي جعل الحزب والنقابة والصحيفة أقل احتكاراً لتكوين الرأي والتنظيم.
من هذه البيئة تولد حركة أفقية، سريعة التجمع ومتعددة المراكز، من دون قيادة واضحة، فالسلطة لا تستطيع “قطع رأسها”، لكنها لا تعرف بسهولة أيضاً مع من تتفاوض: من يمثل آلاف طلاب الثانويات؟ ومن يستطيع من بين هؤلاء الطلبة دخول مكتب رئيس الوزراء في قصر ماتينيون باسمهم ثم الخروج باتفاق يستطيع إلزام مئات الآلاف به؟
بهذا المعنى، ومع كل الاختلافات الضرورية، تظهر قرابة سوسيولوجية مثيرة مع حركتين عرفهما المشرق سنة 2019: انتفاضة تشرين في العراق وفي لبنان. ففي بغداد وبيروت، كما في فرنسا اليوم، ظهر جيل يشك في التنظيمات القديمة وفي قدرتها على تمثيله، ويتحرك أفقياً عبر ساحات ومجموعات وشبكات تواصل اجتماعي، ويتردد في إنتاج زعيم يتحدث باسمه. وقد أعطت هذه الآلية لحركتي تشرين في العراق ولبنان قدرة كبيرة على الانتشار ومقاومة الاحتواء، لكنه كشف أيضاً نقطة ضعفهما الكبرى: الحركة التي لا يستطيع أحد امتلاكها أو تمثيلها يصعب أيضاً على أحد التفاوض باسمها.
لا يتعلق الأمر بالطبع بالقول إن فرنسا تعيد تجربة العراق أو لبنان، فالسياقات السياسية والدول والمؤسسات وتاريخ الحركة السياسية مختلفة جذرياً. المقارنة تخص مورفولوجيا الاحتجاج وحدها: أزمة التمثيل، وأفول بعض الوسائط القديمة للاتصال، وصعود جيل يريد أن يتكلم بنفسه، لكنه لم يخترع بعد المؤسسات القادرة على تحويل غضبه إلى قوة سياسية مستدامة.
والآن، من هو “الكاسر” الأكبر؟
قد تهدأ الحركة الشبابية الحالية، وقد تتراجع حدة مظاهرات السبت المتكررة، وجاءت العطل الخريفية التي قد تُخفض من عدد المحتجين وتنتقل الكاميرات إلى حدث آخر، وقد يتوفق النظام بترهيب العديدين بالقمع والتهديد بإنزال الجيش للشارع، الخ، كل ذلك لا يعني أن الحركة الاحتجاجية انتهت بالمعنى الاجتماعي للكلمة، لأن الأسباب التي أخرجت هؤلاء الشباب إلى الشارع لن تختفي بانتهاء التظاهرة.
فالمسألة لم تعد تتعلق بالمدرسة والجامعة وحدهما، وإنما بما يمكن تسميته النموذج الجمهوري الفرنسي: هل ما زالت المدرسة الحكومية قادرة على تصحيح أثر المنشأ والتفاوت الاجتماعي، لتعود إلى إنتاج “الورثة” ؟ هل ما زالت الدولة برسالتها الاجتماعية قادرة على حماية الأجيال المقبلة؟ هل يستطيع الشاب أن يدرس ويعمل ويسكن ويؤسس حياة مستقلة؟ وهل تستطيع الديمقراطية أن تفعل أكثر من إبلاغ المواطنين بأن المؤسسات احترمت الإجراءات والقوانيين وأن القرار قد اتخذ؟
عند هذه النقطة تستعيد كلمة casseurs les معنى آخر: هناك اجماع على إدانة الذين كسّروا الواجهات ونهبوا المتاجر، وأيضا هناك اجماع على ان هؤلاء لا يمثلون الحركة الطلابية ولا العدالة الاجتماعية. غير أن الزجاج ليس الشيء الوحيد الذي يمكن كسره في مجتمع. يمكن أيضاً كسر الثقة بالمدرسة، وبالدولة بقدرتها على ضمان آلية الرقي الاجتماعي عبر التعليم، وفي التمثيل السياسي، وفي قدرة الاحتجاج على التأثير في القرار، وفي شعور المواطن بأن صوته يصل إلى من يحكمه.
ويصبح السؤال عندئذ أكثر إزعاجاً: من هو “الكاسر” الأكبر في فرنسا اليوم؟ من يكسر واجهة متجر يرتكب فعلاً مرئياً تستطيع الكاميرا تصويره والبلدية إصلاح آثاره في اليوم التالي، أما السلطة التي تعجز، على امتداد سنوات، عن سماع احتجاجات ملايين المواطنين، فقد تكسر شيئاً أقل ظهوراً وأشد صعوبة في الإصلاح: الثقة بين المجتمع والدولة !
ربما كانت هذه إحدى أكثر النتائج مرارة لعشر سنوات من الماكرونية التي ادعت بأنها جاءت لإنقاذ النظام السياسي من أزمته، لكنها ستتركه أكثر هشاشة، وجاءت لتقيم سداً أمام اليمين المتطرف، فإذا بالإحباط الذي تراكم خلال سنوات حكمها يمكن أن يصبح واحداً من أقصر الطرق المؤدية إليه.
لهذا لا يبدو السؤال الذي يطرحه جيل Z في الشارع الفرنسي اليوم مقتصراً على: ماذا ستعطوننا؟ إنه، في العمق، سؤال أكثر بساطة وأشد خطراً: أي فرنسا ستتركونها لنا؟
هشام داود
باحث في الانثروبولوجيا السياسية