964 في كواليس نقاش نيابي
الزيدي ينشر “جواسيس” في مكاتب الأحزاب ويؤسس “رابع نزاهة” في العراق!
بعد أشهر من مطاردة الأموال التي خرجت من خزائن الدولة بسبب الفساد، تتحرك حكومة الزيدي نحو الحلقة التي تسبق ذلك كله؛ منع المال من الخروج أساساً، عبر هيئة اتحادية جديدة تضع عيوناً رقابية داخل الوزارات والمحافظات، وتتابع العقود والمشتريات قبل تنفيذها وأثناءه وبعده، وسط توجه لفك ارتباط الرقباء بالمسؤولين الذين يراقبون مؤسساتهم، ونقاشات لمنحهم القدرة على تعليق الإجراءات المخالفة قبل الصرف، وفق معلومات حصلت عليها شبكة 964، فيما تعيد الخطوة، بعد سبع سنوات من إلغاء مكاتب المفتشين العموميين، جزءاً من وظيفة “الرقيب الداخلي” بثوب اتحادي جديد، ضمن مسار حكومي يبدأ بمنع الهدر عبر الهيئة، ويمر بملاحقة ما سُرق عبر “صولة الفجر”، وينتهي بمحاولة إعادة الأموال الخارجة عبر قانون استرداد الأموال، ما وصفه نواب ومسؤولون بأنه “رابع هيئة رقابة” في الدولة، ليس مصيرها واضحاً.
نقاش بدأ في حزيران
وكان مجلس الوزراء قد أقر في حزيران نص مشروع قانون هيئة الرقابة الداخلية الاتحادية وأحاله إلى مجلس النواب، قبل أن تبدأ لجنة النزاهة النيابية مناقشته تمهيداً لعرضه للقراءة الأولى.
ويقول مصدر مطلع على نقاشات مشروع قانون هيئة الرقابة الداخلية الاتحادية لشبكة 964، إن “رئيس الوزراء علي الزيدي تحدث منذ الأيام الأولى لتوليه المنصب عن ضرورة إعادة تنظيم الرقابة الداخلية، بعد تقارير تلقاها أظهرت أن التضخم في العقود يأتي في مقدمة الملفات التي تستنزف المال العام، إلى جانب المشتريات وأوامر الغيار والمبالغة في الكلف وضعف المتابعة أثناء التنفيذ”.
وأوضح أن “هذا المسار يأتي ضمن رؤية أوسع تبنتها الحكومة لمكافحة الفساد، إذ تتولى صولة الفجر ملاحقة الأموال والملفات بعد وقوع المخالفة، ويستهدف قانون استرداد الأموال إعادة ما خرج من أموال الدولة، فيما يراد لهيئة الرقابة الداخلية أن تعمل في الحلقة الأولى، أي منع المال من الخروج بصورة مخالفة من الأساس”.
وبحسب المصدر، فإن “من أبرز الخيارات التي يجري تداولها في النقاشات الحالية وجود توجه لإعادة تنظيم علاقة مديريات التدقيق والرقابة الداخلية في الوزارات والمحافظات بالهيئة الاتحادية الجديدة، بما يمنح العاملين فيها استقلالاً أكبر عن الجهة التنفيذية التي يتولون مراقبتها، لكن النقاشات لم تحسم حتى الآن الشكل النهائي للارتباط، كما تدور المناقشات أيضاً، بشأن حجم السلطة الرقيب عند اكتشاف مخالفة قبل إكمال العقد أو عملية الشراء والصرف، وما إذا كان سيملك صلاحية الاعتراض وتعليق الإجراء لحين مراجعته، بدلاً من الاكتفاء بتسجيل الملاحظة ورفعها إلى الجهات الأعلى”.
روح المفتش العام تعود إلى العقود
رئيس لجنة النزاهة النيابية طه الدفاعي أكد لشبكة 964 أن فلسفة المشروع تقوم أساساً على تغيير توقيت الرقابة، بحيث لا تنتظر الدولة انتهاء المعاملة لاكتشاف ما جرى فيها.
وقال الدفاعي إن “الحكومة تريد أن تصنع هيئة رقابية داخلية من السلطة التنفيذية على الدوائر والمؤسسات، فهي تريد أن تتحفظ وتراقب دوائرها وتتابع ملفاتها، وتسوي رقابة سابقة وآنية ولاحقة حتى لا يحدث الفساد أو يحدث الخطأ”، لافتاً إلى أن “موظفي الرقابة الداخلية موجودون بالفعل داخل مؤسسات الدولة، إلا أن المشروع يستحدث هيئة بمديريات وتشكيلات مختلفة تمتد على مؤسسات الدولة”.
لكن المشروع الجديد يعيد إلى الواجهة تجربة ألغيت قبل سبع سنوات، حين صوت البرلمان في 2019 على إنهاء مكاتب المفتشين العموميين بداعي الترشيق الإداري ومنع الازدواجية في المهام وتسريع إجراءات مكافحة الفساد.
وقال الدفاعي إن “مكتب المفتش العام كان له دور كبير في متابعة العقود وملفات الفساد قبل حدوثها، وكان يمثل سلطة مانعة للفساد، وبغياب هذه المكاتب رأت الحكومة تشكيل هيئة الرقابة الداخلية”.
وأضاف أن الهيئة الجديدة ستكون “مهمة جداً في متابعة دوائر الدولة، وكقوة أو سلطة مانعة للفساد ومتابعة العقود والمشتريات والمخالفات التي تحدث في الوزارات والمحافظات جميعاً”.
العيون مفتوحة.. لكن من يضغط زر الإيقاف؟
في المقابل، يحذر مسؤولون وخبراء سابقون في ملف النزاهة من أن إنشاء مؤسسة إضافية لن يكون كافياً ما لم تعالج الأسباب التي أضعفت فعالية منظومة الرقابة الحالية.
وقال رئيس سابق لهيئة النزاهة خلال حديثه لـ964 إن “المشكلة في العراق لم تعد في نقص القوانين أو تعدد الأجهزة الرقابية، فلدينا هيئة النزاهة، وديوان الرقابة المالية ومديريات التدقيق والرقابة الداخلية، وسبق أن كانت لدينا مكاتب المفتشين العموميين، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في مدى استقلال هذه الأجهزة وقوة قراراتها وقدرتها على منع المخالفة قبل وقوعها، ثم تنفيذ ما تتوصل إليه من نتائج ومحاسبة المسؤول عنها”.
ويضيف الرئيس السابق الذي فضل عدم الكشف عن اسمه أن “إنتاج المزيد من التقارير والملاحظات الرقابية لن يكون كافياً إذا بقيت المخالفة مستمرة رغم اكتشافها، وما يحتاجه العراق هو منظومة رقابية مستقلة ومترابطة إلكترونياً تستطيع متابعة العقد منذ التخطيط والإحالة وحتى التنفيذ والصرف”.
وتابع أن “إنشاء هيئة جديدة يمكن أن يكون مفيداً إذا عالج هذه الثغرات، أما إذا أضاف حلقة بيروقراطية أخرى إلى الأجهزة الموجودة من دون صلاحيات حقيقية واستقلال ومساءلة، فإننا سنغير أسماء المؤسسات من دون معالجة أصل المشكلة”.