أي ألمانيا تلك التي طرق بابها؟

الزيدي من موطن كانت وهيغل: “الليل يطلك بالنهار” – مقال الدكتور هشام داود

منذ وصول علي فالح الزيدي إلى رئاسة الحكومة، بدأ يتشكل في خطابه العام أسلوب خاص، ينتقل بسهولة من اللغة السياسية الرسمية إلى المحكية العراقية وإيقاع الشعر الشعبي، أو إلى عبارات تبدو كما لو أنها أمثال، حتى عندما يصعب العثور لها على أصل معروف في الموروث الشعبي. وليس في ذلك ما هو معيب بذاته، فالسياسة ليست لغة تقارير تقنية فقط، وكثير من السياسيين الكبار عرفوا كيف يستخدمون المثل والاستعارة والنكتة وبيت الشعر، لاختصار فكرة معقدة في بضع كلمات. لكن استخدام هذه الأدوات يفترض معرفة دقيقة بالمقام والجمهور، وخصوصاً عندما يتحدث مسؤول رفيع خارج بلده، حيث لا تنتقل الكلمات وحدها، بل تنتقل معها ثقافة كاملة قد لا يمتلك المستمع مفاتيحها.

وهنا تبرز مسألة تتجاوز شخص رئيس الوزراء إلى المؤسسة التي تحيط به. ففي الزيارات الرسمية، لا يفترض أن يصل رئيس حكومة إلى بلد أجنبي حاملاً ملفات الاقتصاد والطاقة والكهرباء والعلاقات الثنائية فقط، بل هناك أيضاً ملف سياسي وثقافي وإعلامي عن البلد المضيف: ما الذي يشغل بال حكومة هذه البلاد؟ ماذا يقلق رأيها العام؟ ما الموضوعات الحساسة في لحظتها السياسية؟ وما العبارات التي قد تحمل لدى المضيف معنى مختلفاً أو غامضا عما تحمله في بغداد؟

“الليل يطلك بالنهار”

لا أعرف إن كانت العبارة مثلاً عراقياً لم يعد واسع التداول، أم استعارة من الشعر الشعبي، لكن معناها المقصود يمكن تخمينه: الزمن لا ينتظر، ومن لا يلحق بالتطور سيتأخر عنه. ومع ذلك، فإن سماعها في مؤتمر صحفي رسمي في برلين من رئيس حكومة لم تكتمل كابينته منذ أربعة اشهر، يطرح مشكلة أخرى أكثر طرافة: كيف نقلها المترجم إلى الألمانية؟

أفكر بالفعل في معاناة المترجم وهو يسمع رئيس حكومة يقول أمام مستشار ألماني “الليل يطلك بالنهار”. هل يحاول ترجمة الكلمات حرفياً؟ أم يبحث خلال ثوانٍ عن مثل ألماني يؤدي المعنى المفترض؟ أم يتخلى عن الصورة كلها ويترجم ما يعتقد أن ما أراد قوله رئيس الوزراء هو: الزمن لا ينتظر أحداً؟

ليست هذه مسألة لغوية صغيرة، فالمترجم في مثل هذه الحالة يجد نفسه مضطراً إلى أن يصبح، خلال ثوانٍ، شارحاً للثقافة المحلية العراقية ومفسراً للمقصد السياسي ومحرراً للعبارة في الوقت نفسه. والمفارقة أن مهمة المترجم الدبلوماسي هي نقل كلام المسؤول، لا إعادة تأليفه لكي يصبح مفهوماً.

ولأن العبارة قيلت في ألمانيا تحديداً، عندها يصعب مقاومة شيء من الدعابة. ففي بلد كان الزمن والتاريخ والعقل والتقدم من أكبر موضوعات فلسفته، يمكن عندها تخيل كانط وهيغل وماركس وقد استوقفتهم “الحكمة الزيدية للزمن”، فهذا هايدغر يعيد فتح ملف “الوجود والزمان”، ومدرسة فرانكفورت تعلق منهاجها النقدي للحظة، فيما آينشتاين، بعد كل ما فعله بالزمان والمكان، يحاول أن يفهم العلاقة الجديدة داخل “الليل يطلك بالنهار”.

وللمفارقة الصغيرة فقط، فإن الساعة الفاخرة التي يظهر بها السيد الزيدي عادة تساوي خمسة آلاف مرة قيمة الساعة المتواضعة التي اشتهرت بها المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل. وبالطبع ليس في نوع الساعة أي معيار للحكم على رجل دولة، لكن المصادفة تسمح بابتسامة عابرة: ثمة فرق بين امتلاك ساعة، وإدراك معنى الزمن!

أي ألمانيا طرق الزيدي بابها؟

ألمانيا التي وصلها السيد رئيس مجلس الوزراء لم تكن فضاءً محايداً يمكن أن يقال فيه الكلام نفسه الذي يقال في بغداد. فالبلد يعيش لحظة سياسية واجتماعية حساسة، مع صعود قوي لليمين المتطرف بعد نحو تسعين عاماً من زوال النازية، وقلق اقتصادي وصناعي، وتراجع الثقة بالأحزاب التقليدية، وأسئلة متزايدة حول الهوية والهجرة ومستقبل النموذج الألماني.

في قلب هذه اللحظة هناك مفارقة واضحة: ألمانيا مجتمع يشيخ ويعاني منذ عقود ميزاناً ديمغرافياً طبيعياً سلبياً، ولذلك يحتاج اقتصادها إلى قوة عمل مهاجرة وإلى فئات شابة جديدة. لكنها تشهد، في الوقت نفسه، تصاعداً في القلق والانغلاق تجاه الوافدين، ولا سيما الهجرة غير المنظمة. فهي (ألمانيا) تحتاج اقتصادياً وديمغرافياً إلى المهاجر، فيما تزداد صعوبة الاتفاق سياسياً وثقافياً على كيفية استقباله ودمجه.

وفي هذا السياق تحديداً كان ينبغي أن يكون ملف العراقيين في ألمانيا حاضراً بشكل مختلف أمام رئيس الوزراء. فهؤلاء ليسوا كتلة واحدة، والغالبية العظمى ممن غادروا العراق خلال العقود الماضية فعلوا ذلك بحثاً عن الأمان أو عن حياة أكثر استقراراً: أكراد وإيزيديون ولاجئون سياسيون وعائلات دفعتها الحروب والقمع والعنف الطائفي إلى الرحيل، إلى جانب هجرة ذات دوافع اقتصادية وتعليمية. لكن ألمانيا اليوم أصبحت أقل استعداداً لقبول الهجرة الاقتصادية غير المنظمة، وتحول الخلط بين اللجوء والهجرة الاقتصادية والدخول غير النظامي، إلى واحد من أهم أدوات التعبئة لدى اليمين المتطرف، كما شاهدناه في الأيام الأخيرة مع صعود حزب اليمين المتطرف في احدى اهم مقاطعاتها.

وسط هذه الحساسية تحدث الزيدي عن نحو “ثلاثمئة ألف سفير عراقي” لألمانيا في العراق. العبارة ودودة، وفيها رغبة واضحة في تكريم العراقيين المقيمين هناك، لكنها تحتاج أيضاً إلى إدراك المكان الذي قيلت فيه، فالمستشار الألماني يسمع الرقم وفي ذهنه عراقيون اندمجوا وأصبحوا جزءاً من المجتمع الألماني ولاجئون سياسيون وناجون من الإبادة حمتهم بلاده، ولكن أيضاً ملف عشرات الآلاف ممن رُفضت طلباتهم أو صدرت بحقهم قرارات بالمغادرة، وهو موضوع بقي موضع نقاش وأحيانا، توتر بين برلين وبغداد. المشكلة إذن ليست في العبارة نفسها، بل في المسافة بين العبارة والسياق الذي قيلت فيه.

من يُعدّ رئيس الوزراء قبل أن يتكلم؟

لهذا فإن السؤال الذي أثارته الجولة الأوروبية، وخصوصاً محطتها البرلينية، ليس ما إذا كان “الليل يطلك بالنهار” مثلاً جميلاً أم ركيكاً، ولا ما إذا كان ينبغي لرئيس الوزراء أن يستخدم الأمثال المحلية والشعر الشعبي. السؤال أكثر مؤسساتية: كيف يُعدّ المسؤول العراقي قبل أن يمثل بلده في الخارج؟

هناك وزارة خارجية وسفارات ومستشارون ومكتب إعلامي ومحطات أجهزة مخابرات وطنية، يفترض أن تضع أمام رئيس الوزراء، قبل كل زيارة، ما يتجاوز أسماء المسؤولين والشركات العالمية وأرقام التجارة والاستثمار، أي صورة سياسية وثقافية عن البلد الذي يزوره، وتاريخه القريب وحساسياته وما يشغل رأيه العام، حتى لا تبدو عبارة عادية في بغداد غريبة في برلين. وفي حالة السيد علي الزيدي، أضيف إلى هذه المنظومة الطبيعية في عمل الدولة واعداد الزيارات الحكومية، هناك أيضا حضور المبعوث الرئاسي الأميركي توم باراك لباريس، ولا نعرف مقدار مساهمته في التحضير أو النصح للجزء الأول من رحلته، لكن وجوده ربما ساعد، ولو قليلاً، في ضبط إيقاع بعض التصريحات.

رغم ذلك، لا يمكن إلقاء المسؤولية كلها على الموظفين والمستشارين ولا حتى على توم باراك. فالرجل الذي يتولى رئاسة الحكومة ويتحدث باسم العراق مطالب بأن يطور هو أيضاً لغته السياسية وثقافته العامة، وأن يعرف متى تكون «الحِسْچة» العراقية والشعر الشعبي جسراً جميلاً إلى الجمهور، ومتى تصبح رسالة غامضة للمضيف وعبئاً على المترجم.

لا ينبغي أن نفقد الشعر الشعبي ولا المحكية العراقية عندما نسافر إلى العالم. فهما جزء من ثقافة ثرية، وقد تكون صورة شعبية عراقية موفقة أبلغ من صفحة كاملة من اللغة الدبلوماسية الخشبية. لكن نقلها إلى الخارج يحتاج إلى معرفة مزدوجة: أن تعرف جيداً الثقافة التي تأتي منها العبارة، وأن تعرف بالقدر نفسه الثقافة التي ستستقبلها.

وإلا فقد يجد المترجم نفسه، مرة أخرى، واقفاً بين رئيس الوزراء والمستشار الألماني، يحاول خلال ثوانٍ أن يحل المعضلة التي تركها له السياسي:

كيف نقول في بلد كانت وهيغل: “الليل يطلك بالنهار”؟

مقال الدكتور هشام داود. الباحث في الأنثروبولوجيا السياسية، المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، خص به شبكة 964.