مقال من هشام داود
حراس المعبد في زمن الإنسان الرقمي.. عودة إلى مصادرة كتاب الدكتور علي المدن
ثمة مفارقات سياسية لا تحتاج إلى كثير من الشرح، لأن مجرد تجاور صورتين متناقضتين في المكان والزمان يكشف أحياناً من طبيعة السلطة أكثر مما تكشفه الخطب والبيانات. وهذا، إلى حد بعيد، ما حدث في معرض بغداد الدولي الأخير للكتاب. ففي افتتاحه، كان رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يحتفي ببغداد بوصفها حاضنة للثقافة ومنارة للفكر والكلمة، مستعيداً بذلك صورة للعراق تتجاوز حدود دولته المعاصرة إلى عمق تاريخي شهد البدايات الكبرى للبشرية، عصر الثورة المدينية والكتابة والقانون والمعرفة والأسطورة والملاحم والجدل، وتجارة المسافات البعيدة، والفلك، أي إلى أرض لم تكن فيها الكلمة طارئة على التاريخ، وإنما كانت إحدى الوسائل التي صنع بها الإنسان تاريخه وفهم بها العالم من حوله، وهو المعنى الذي اختصره صموئيل نوح كريمر، قبل عقود، في عنوان كتابه الشهير: “التاريخ يبدأ في سومر”.
لكن، على بعد أمتار ربما من المكان الذي احتفى فيه الزيدي بنهضة العراق الحضارية ومكانة الكتاب في تاريخه، كانت تتشكل صورة مناقضة تماماً للعلاقة بين السلطة والمعرفة، حيث حضر ممثل إحدى الأجهزة الأمنية لجناح (دار الحكمة) طالبا نسخة من كتاب الدكتور علي المدن “تخوم الوعي الديني: التدين على محك الدولة الوطنية والحياة المدنية في العراق”. وفي اليوم التالي عادت الجهة الأمنية المنفذة لتصادر النسخ المعروضة وتوقف بيعها. غير أن اليد التي سحبت الكتاب ليست بالضرورة هي التي اتخذت قرار منعه، ولذلك بقيت الأسئلة الأهم بلا جواب: من أصدر قرار المنع والمصادرة، ووفق اي معيار، وعلى أي أساس قانوني، وكيف انتقل من الجهة التي اتخذته إلى جهاز أمني ليتولى تنفيذه؟
الكتاب والسؤال
ربما كان من المفيد، قبل الذهاب بعيداً في الحديث عن الرقابة والمنع، أن نتوقف عند الكتاب نفسه، لأن إحدى مفارقات هذه الحادثة أن الجميع بدأ يتحدث عن مصادرة “تخوم الوعي الديني” قبل أن نعرف ما الذي وجده الرقيب فيه مستوجباً للمصادرة.
الدكتور علي المدن ليس وافداً عابراً إلى عالم الحوزة والاجتماع الديني، ولا كاتباً اكتشف هذه القضايا من خارجها. فقد أمضى عقوداً في الدراسات الدينية والمعرفية، ولا سيما في حوزة قم، وخبر في الوقت نفسه فضاء النجف ومؤسساته وأسئلته وتحولاته. ثم راكم في كتاباته السابقة والحالية اشتغالاً على الفكر الديني والمرجعية وعلاقة الفقه بالسياسة والدولة، وعلى التحولات التي أصابت المجتمع الشيعي العراقي وعلاقته بالمؤسسة الدينية. هذه المعرفة المزدوجة، من الداخل ومن موقع الباحث في آن واحد، هي التي تعطي لعمله شيئاً من خصوصيته: فهو لا يكتب بلغة الخصم الخارجي الذي يريد إسقاط عالم لا يعرفه، ولا بلغة رجل المؤسسة الذي يكتفي بإعادة إنتاج يقينياتها، وإنما يحاول أن يجعل هذا العالم نفسه موضوعاً للبحث العلمي والسؤال.
ويأتي مؤلفه الأخير “تخوم. ..” امتداداً لهذا المسار، بما يحمله عنوانه من دلالات. فالمؤلف لا يبحث عن “نهاية” الدين، وإنما عن تخوم وعي لاعبيه السياسيين حينما يلتقون بالدولة الوطنية، والمواطنة، والفرد، والحياة المدنية التي لا تستطيع أية جماعة لوحدها أن تختزلها في تصورها الخاص. والكتاب، كما يقدمه صاحبه، يتناول تاريخ الحوزة وتحولاتها، والمرجعية الدينية، والتيارات السياسية والدينية، وانتفاضة آذار 1991، والظاهرة الصرخية والحركة الصدرية والتشيع السياسي، كما يعود إلى عدد من أعلام الفكر العراقي، ويتوقف عند العلاقة بين الفقه والدولة الوطنية، وقانون الأحوال الشخصية، واحتجاجات البصرة سنة 2018، وتشرين 2019، وتحولات التدين والفردانية والمواطنة والحياة المدنية، وغيرها من الثيمات المهمة.
وفي قلب هذا المسار يحضر أيضاً آية الله محمد باقر الصدر، لا بوصفه اسماً في تاريخ الإسلام السياسي فحسب، بل مفكراً وفقيهاً عراقياً استثنائياً حاول، في زمنه، إعادة التفكير في علاقة الفقه بالدولة والاقتصاد والمجتمع، قبل أن يدفع حياته ثمناً لموقفه ويُقتل على يد نظام صدام حسين سنة 1980، ليصبح واحداً من أبرز ضحايا ذلك النظام وشهداء الحقبة البعثية. ومن هنا فإن العودة إلى إرثه الفكري ليست استدعاءً لشخصية حزبية، بل عودة إلى لحظة حاول فيها الاجتهاد الشيعي العراقي أن يواجه أسئلة الدولة الحديثة والمجتمع والاقتصاد والسياسة، وهي أسئلة يرى الدكتور علي المدن أن العقل الديني العراقي لا يستطيع ببساطة أن يعود إلى ما قبل طرحها.
هنا يصبح السؤال عن سبب منع الكتاب أكثر إلحاحاً: أيُّ شيء في هذه الموضوعات يمكن أن يكون خطيراً إلى الدرجة التي تستدعي إخراج الكتاب من التداول؟ هل تكمن الخطورة في التعامل مع المؤسسة الدينية باعتبارها، إلى جانب مكانتها الروحية، مؤسسة تاريخية واجتماعية قابلة للدرس؟ أم في إعادة قراءة العلاقة بين الفقه والدولة، ومساءلة ما طرأ عليها من تحولات؟ هل تكمن في جعل الحركات الاحتجاجية العراقية ما بعد 2003 جزءاً من تحليل تبدل الوعي الديني والسياسي، خاصة في الفضاء الاجتماعي الشيعي العراقي؟ أم في مناقشة قانون الأحوال الشخصية وما يكشفه من توتر بين الفقه والمواطنة؟ وهل تثير فكرة الفردانية، أي أن يصبح الفرد قادراً على بناء علاقته بالدين والمجتمع خارج الطاعة الجماعية الكاملة، حساسية خاصة لدى من لا يزال يتصور المجتمع جماعات مغلقة ينبغي ضبط حدودها؟
ليست هذه أجوبة، ولا ينبغي أن تتحول إلى اتهامات، لكنها أسئلة يفرضها المنع نفسه، بل يسبق كل ذلك سؤال أساسي: هل قرأ الكتاب من اتخذ قرار مصادرته؟ وهل قرأ مئات صفحاته في ساعات معدودة، وراجع مصادر “تخوم. ..”، وفحص حججه، وحدد فيه عبارة أو أطروحة تخالف قانوناً بعينه، أم أن الكتاب وصل إلى دائرة المحظور عبر تقرير مختصر، أو فقرة انتزعت من سياقها، أو وشاية، أو قراءة بالواسطة، أو ببساطة لأن أحداً أخبر أحداً بأن في الكتاب ما لا ينبغي أن يقال؟
لا نعرف، لكن عدم المعرفة هنا ليس تفصيلاً صغيراً، فأن يصادر كتاب من دون أن يعرف مؤلفه وناشره وقراؤه بوضوح ما الذي استوجب مصادرته يجعل غموض القرار جزءاً من فعل الرقابة نفسه.
أركيولوجيا المنع
لمصادرة ومنع الكتب تاريخ أطول بكثير من الواقعة العراقية الأخيرة، ويمكن تقريباً كتابة أركيولوجيا كاملة لها، لا في مجتمعاتنا وحدها وإنما في تاريخ الثقافات البشرية كلها، إذ قلما وجدت سلطة، دينية كانت أم دنيوية، إمبراطورية أم قومية، ثورية أم محافظة، لم تعرف في لحظة ما إغراء أن تتحكم، إلى جانب أجساد الناس وأفعالهم واقوالهم، في الصور والأفكار التي يستطيعون تداولها عن أنفسهم وعن العالم.
في الأزمنة القديمة كان الطريق إلى الفكرة يمر كثيراً عبر جسد صاحبها، فيُنفى المفكر أو يسجن أو يرغم على الصمت، وقد يقتل بحد السيف أو يلقى في النار، وكأن إسكات الفم قادر على إسكات ما صدر عنه. ثم، حين انفصل النص عن صاحبه وأصبح قادراً على البقاء بعده، انتقلت العقوبة إلى الكتاب نفسه، فأُحرقت المخطوطات وصودرت النسخ وطورد الناسخ والناشر وأغلقت المكتبات. ومع ظهور الطباعة تغيَّر ميزان القوة مرة أخرى، لأن الفكرة باتت قادرة على التكاثر بسرعة أكبر من قدرة السلطة على ملاحقتها، فظهرت الرقابة المسبقة والتراخيص وفهارس الكتب الممنوعة والحدود التي تراقب ما يعبر إليها وما يخرج منها.
ولم يكن المعبد دائماً هو الذي يمنع، كما لم تكن الدولة دائماً قوة تحرير، ففي “المحنة” العباسية كانت السلطة السياسية هي التي أرادت فرض موقف كلامي رسمي على العلماء، بما يذكر بأن الدولة تستطيع هي الأخرى أن تتحول إلى حارس للعقيدة. وفي مراحل أخرى كان علماء دين أو حراس للأرثوذكسية يحددون ما يرونه انحرافاً ثم يستدعون يد السلطان لكي تمنح حكمهم الشرعية وقوة التنفيذ. وفي أوروبا المسيحية أصبح المنع مؤسسة كاملة عبر “فهرس الكتب المحرمة”، حيث لم يعد الأمر يتعلق فقط بعقوبة مؤلف كتب ما لا ينبغي قراءته، بل بإدارة القراءة نفسها وتحديد ما يحق للمؤمن أن يقرأه وما ينبغي أن يبقى بعيداً عن عينيه.
وكان ذلك تحولاً كبيراً في معنى الرقابة، فالرقيب لم يعد يقول للمؤلف وحده “أخطأت”، بل بدأ يقول للقارئ أيضاً: ليس من حقك أن تقرأ هذا الخطأ لكي تقرر بنفسك أنه خطأ. ولعل هنا شيئاً من الجوهر العميق لكل فعل رقابي، لأنه لا يعبر فقط عن الشك في الكاتب، بل عن الشك في القارئ أيضاً، ويفترض أن الإنسان الراشد غير قادر على مواجهة فكرة مقلقة أو خاطئة أو مستفزة من دون وصاية، وأن ثمة من هو أقدر منه على تحديد ما يصلح لعقله وما ينبغي حجبه عنه.
ولم تقض الحداثة على هذا الميل، بل أعادت إنتاجه بلغات أخرى. ففي ألمانيا النازية، لم يكن إحراق الكتب سنة 1933 مجرد وسيلة بدائية لإتلاف الورق، بل كان طقسًا سياسيًا علنيًا يعلن أمام الجماعة أن بعض الأفكار والمحتوى الهابط وأصحابها لم يعد لهم مكان في الأمة التي يريد النظام إعادة صياغتها بالكامل. واللافت أن طلابًا ومنظمات جامعية مؤيدة للنازية شاركوا بفاعلية في ذلك، وهو ما يذكرنا بأن المجتمع المدني ليس مرادفًا تلقائيًا للحرية، وأن الجامعة والجمعية الأهلية والحزب والفصيل العقائدي المسلح والجماعة الدينية والشارع يمكن أن تنتج هي الأخرى، في ظروف معينة، رغبة في الإقصاء والمنع وتتحول إلى أداة تعبوية هستيرية للقمع والتنكيل.
أما في التجربة الستالينية فقد أصبحت الرقابة أقل استعراضاً وأكثر تغلغلاً، فلم تعد المسألة مجرد كتاب يحرق أمام الناس، وإنما شبكة تراقب الناشرين والمكتبات والجامعات ومسارات الكتّاب وشروط إنتاج المعرفة نفسها، إلى أن يبلغ الرقيب أكثر أشكال وجوده فعالية حين ينتقل من المكتب إلى داخل الكاتب، فيتعلم هذا الأخير أين يتوقف، وأي سؤال لا يطرح، وأي فصل يحذف قبل أن يقرأه الرقيب.
فالانتصار الأعمق للرقابة ليس دائماً في الكتاب الذي صودر، وإنما في الكتاب الذي لم يُكتب بعد، أو بقي في درج صاحبه حتى مات.
حراس بلا تفويض
من هذا التاريخ الطويل نعود مرة أخرى إلى العراق، لا بقصد إقامة تشبيهات سهلة بين أنظمة وأزمنة لا تتشابه، وإنما لفهم الآلية حين تعيد إنتاج نفسها في بيئة سياسية جديدة. فالعراق ليس دولة شمولية مغلقة، وليس دولة دينية لها مركز واحد للقرار، وإنما فضاء تتجاور داخله وتتداخل مؤسسات الدولة وأحزاب ذات جذور دينية وأيديولوجية قوية، وسلطات اجتماعية ودينية متعددة، وشبكات اقتصادية وإدارية، إلى جانب جماعات مسلحة استطاع بعضها أن يراكم خلال السنوات الماضية نفوذاً واسعاً في الدولة وحولها، من دون أن يعني ذلك أنها استطاعت تحويل القوة السياسية أو العسكرية إلى هيمنة فكرية وثقافية على المجتمع.
وهنا يصبح التمييز بين القوة والهيمنة أساسياً : إذ تستطيع جماعة أن تمسك بوزارة ولا تمسك بخيال جيل، وأن يكون لها حضور كبير في البرلمان من دون أن تستطيع تحديد ما يراه الناس حقيقة أو مستقبلاً مرغوباً فيه، وأن تمتلك المال والنفوذ والسلاح من دون أن تنجح في تحويل رؤيتها الخاصة للعالم إلى “حس مشترك” يتبناه المجتمع باعتباره بديهياً. وقد كشفت تحولات العقدين الماضيين، وما ظهر بصورة جلية في تشرين 2019، حجم المسافة التي يمكن أن تفصل بين السيطرة على أجزاء من الدولة وبين القدرة على السيطرة على المجتمع.
وعندما تتسع هذه المسافة قد يصبح المنع تعويضاً عن ضعف الإقناع، فمن يثق بفكرته يستطيع أن يتركها تواجه فكرة أخرى، والحزب الديني الواثق من تقاليده العلمية لا يحتاج إلى رجل أمن ليحميه من كتاب، والتيار السياسي الواثق من شرعيته لا يخشى أن يتحول تاريخه إلى موضوع للبحث، أما حين تدخل القوة إلى المجال الذي كان ينبغي أن تتحرك فيه الحجة، فقد يكشف ذلك عن حدود الهيمنة أكثر مما يكشف عن قوتها.
ومن هنا تظهر شخصية مألوفة في تاريخنا، وإن تبدلت أدواتها: حارس المعبد المسلح، أو الرقيب الذي نصّب نفسه بنفسه دون أن يستمد سلطته بالضرورة من تفويض قانوني أو شرعي، بل يمنح نفسه، بقوة النفوذ أو القدرة على الترهيب، حق رسم حدود المسموح والممنوع في الفضاء العام. وهكذا يتجاوز حراسة معتقده إلى الوصاية على ما يكتبه الباحث والروائي، وما يبدعه الفنان، وما ينشره الناشر ويقرأه الناس. وتكتسب هذه الصورة في العراق ثقلاً خاصاً حين تقترن هشاشة وعي الحرية الفكرية بامتلاك وسائل المنع، وأحياناً بالقدرة على التحرك خارج القانون أو عند «تخومه»، فيصبح رفع كلفة الكتابة أسهل من مناقشتها. وهنا تبلغ الرقابة مداها الأبعد: حين لا تكتفي بمصادرة ما كُتب، بل ترهب ما يمكن أن يُكتب، فيغدو انتصارها الأكبر ذلك الكتاب الذي لم يُكتب بعد.
ومن المهم هنا التمييز الواضح بين المرجعية العليا في النجف وبين القوى التي نصّبت نفسها حارساً للمقدس في الفضاء العام. فمنذ 2003 لم تطالب مرجعية النجف بمنع كتاب أو مصادرته، بل ظلت جزءاً حيوياً من فضاء الحوار والبحث والنقاش الذي تتحرك فيه. في المقابل، نشأت قوى وأحزاب وفصائل مسلحة، يدين بعضها سياسياً وعقائدياً بولاية الفقيه، وتمتلك اليوم من النفوذ والموارد ووسائل الإكراه ما يتيح لها فرض تصوراتها من دون حاجة إلى تفويض قانوني أو ديني، بل وتقديم العديد من مواقفها كما لو كانت تعبيراً عن إرادة دينية أوسع. وهكذا يظهر نوع جديد من الرقابة: حارس يعيّن نفسه بنفسه، ويمتلك من أدوات القوة ما يسمح له بأن يرسم حدود المسموح والممنوع، من دون أن يكون “المعبد” نفسه قد طلب منه حراسته.
ولعل هذا هو المعنى الأدق للعبارة المجازية “حراس المعبد”: ليس أولئك الذين كلّفتهم المؤسسات الدينية بالحراسة بالضرورة، بل أولئك الذين يحتاجون إلى الادعاء بأنهم يحرسونها كي يمنحوا فعل القوة شرعية أعلى من القوة نفسها. والمشكلة أن المنع، ما إن يبدأ، يحمل في داخله قابلية للتمدد والادعاء “بحماية المقدس”، ثم ينتقل إلى “المشاعر الدينية” و”الثوابت” و”القيم” و”الآداب العامة” و”السلم المجتمعي” ومحاربة ما يراه “المحتوى الهابط”، حتى يصبح المحظور واسعاً ويبقى تعريفه مبهماً، وعندها تستطيع لجنة غامضة التكوين والاختصاصات والمعايير أن تملك سلطة ثقيلة على الكاتب والناشر والقارئ، ليس بسبب غموض اختصاصها بل، في أحيان كثيرة، بفضله. فغموض المعيار ليس دائماً علامة ضعف في الرقابة، بل قد يكون أحد أهم مصادر قوتها.
حق القارئ
يبقى هناك طرفٌ آخر في هذه القضية كثيراً ما يختفي خلف الدفاع عن حرية الكاتب: وهو القارئ. فكل قرار بمنع كتاب يتضمن – كما أشرنا فيما تقدم – قرارين متلازمين: الأول موجه إلى المؤلف ويقول له إن ثمة أشياء لا يجوز أن يكتبها، والثاني موجه إلى المواطن ويبلغه أن السلطة لا تثق بقدرته على قراءة الكتاب والحكم عليه بنفسه. ومن هذه الزاوية قد تكون مصادرة أهلية القارئ أكثر خطورة من مصادرة الورق، لأن القضية لم تعد تتعلق بحرية شخص في التعبير فحسب، وإنما بحق مجتمع في أن يعامل أفراده بوصفهم بالغين فكرياً، قادرين على القراءة والمقارنة والقبول والرفض من دون وصي.
ولا تعني حرية القراءة أن كل كتاب صحيح، كما لا يعني الدفاع عن حرية البحث والكتابة أن كل استنتاج علمي وفكري مصيب، لكن الفارق الجوهري بين مجتمع حر ومجتمع خاضع للوصاية هو أن الخطأ الفكري يواجه بالنقد، لا بالمصادرة، وأن الكتاب بريء وإن أخطأ كاتبه، وأن المنع هو من يحتاج إلى حجة.
بعد الورق
وجد الرقيب المعاصر نفسه أمام معضلة لم يعرفها أسلافه، فنحن نعيش في زمن لم يعد فيه النص مقيماً بالكامل داخل جسده الورقي. فالكتاب الذي كان ممكناً التخلص منه بإحراق مخطوط أو مصادرة طبعة، بات قادراً، انطلاقاً من نسخة واحدة، على أن يتحول خلال ساعات إلى آلاف الملفات، وأن يعبر من بغداد إلى البصرة والنجف وقم وباريس ولندن وسيدني، من دون حاجز أو نقطة حدود، ليستقر في هواتف وحواسيب يصعب على أي جهاز رقابي أن يعرف أين تنتهي رحلته.
ولا يعني ذلك أن الرقابة فقدت قدرتها على الإيذاء، بل تغير موضع تأثيرها فحسب، وذلك من خلال ما أشرنا إليه من “رفعة الكلفة”: تخويف الباحث الذي يفكر في عمله المقبل، وإرباك الناشر الذي قد يطبعه، ودفع الأكاديمي إلى التخلي عن السؤال قبل أن يصبح فصلاً، وعن كتابة الفصل قبل أن يصبح كتاباً. وهكذا انتقلت الرقابة، في تاريخها الطويل، من ملاحقة صاحب القول وإحراق مخطوطه، إلى مراقبة المطبعة والمكتبة ومصادرة الكتاب، ثم إلى أكثر أشكالها خفاءً وفاعلية: أن تستقر في ذهن الكاتب نفسه قبل أن يكتب.
من هنا تستحق قضية “تخوم الوعي الديني” أكثر من احتجاج عابر على واقعة حدثت في معرض للكتاب، ليس فقط لكونها تتصل بمسار باحث جعل من الحركات السياسية والمؤسسات الدينية وتحولاتها موضوعاً للمعرفة بدل المخاصمة، بل لأنها تضع أمامنا سؤالاً أبعد من مصير كتاب بعينه: هل تبقى هذه القضايا موضوعات مشروعة للبحث، أم أن حساسيتها ستكون سبباً كافياً لمنع الاقتراب منها؟
في زمن الإنسان الرقمي يستطيع حارس المعبد أن يصادر الكتاب من الرف، لكنه لا يستطيع بالسهولة نفسها أن يعيد الأسئلة التي خرجت على صفحاته، إلى الصمت.
الدكتور هشام داود – باحث في الأنثروبولوجيا السياسية
المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي