مقال في مجلة إيكونوميست
برهم صالح عن تطوير قوانين اللجوء: كرامة البشر لا تنتهي عند حدود البلدان
نشر برهم صالح المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والرئيس العراقي الأسبق، مقالاً بمناسبة الذكرى 75 لصوغ اتفاقية جنيف للاجئين، عقب ويلات الحرب العالمية الثانية، ودعا خلاله إلى تطوير كفاءة الاتفاقيات والقوانين الخاصة بذلك، لا سيما بعد تفاقم الأزمات الإنسانية حتى داخل أوربا في الحرب الأوكرانية، ودعا قادة العالم إلى عدم نسيان نوايا المؤسسين لنص الاتفاق والذين آمنوا بأن كرامة البشر لا تنتهي عند حدود البلدان.
مقال برهم صالح، في مجلة إيكونوميست، تابعته شبكة 964:
قبل خمسة وسبعين عاماً، ومع خروج العالم من أعتى صراع شهدته البشرية، اجتمعت الحكومات في جنيف لصياغة اتفاقية اللاجئين. كان ملايين الأشخاص قد نزحوا من ديارهم، وكان يُعتقد عموماً أن اللجوء ظاهرة مؤقتة تفرضها ظروف استثنائية.
لكن التاريخ أثبت عكس ذلك. فمن الهند الصينية إلى رواندا، ومن سوريا إلى أوكرانيا، شهدت العقود التي تلت ذلك اضطرابات ونزوحاً قسرياً على نطاق واسع. وقد اختبرت كل أزمة هذا النظام. ولم يكن مثالياً قط، لكنه أدى مهمته الأساسية: حماية حياة الإنسان وكرامته. وفي جوهره مبدأ بسيط وُلد من رماد الحرب: عندما يُجبر الناس على الفرار من الاضطهاد والعنف، لا ينبغي تركهم لمصيرهم.
اليوم، يواجه نظام اللجوء ضغوطاً متزايدة. ففي عصر تتزايد حركة العبور عبر الحدود، أصبح هذا النظام متشابكاً مع النقاشات المتعلقة بالهجرة والخدمات العامة والهوية الوطنية. وقد سلطت التطورات الأخيرة في مدينة سبتة الإسبانية الواقعة في شمال أفريقيا، والتي شهدت تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين من المغرب خلال يوم واحد، الضوء على التحديات التي تفرضها موجات الوصول الكبيرة، وعلى الحاجة إلى أنظمة قادرة على التمييز بسرعة بين اللاجئين وغيرهم من المهاجرين.
إن القوى التي تدفع الناس إلى النزوح لن تختفي. ولا أحد يستفيد من انهيار أنظمة اللجوء أو من تحمّل عدد محدود من الدول العبء الأكبر. فحماية اللاجئين تعزز الاستقرار والنظام والأمن. لكنها أيضاً التزام أخلاقي يستند إلى حقيقة بسيطة: كرامة الإنسان لا تنتهي عند الحدود.
غالباً ما يصوّر المنتقدون اللجوء على أنه باب خلفي للهجرة غير الشرعية. ويتساءل البعض، بشكل مشروع، كيف يمكن للحكومات أن تعرف ما إذا كان الشخص يفر فعلاً من الاضطهاد؟ إن الإحباط الشعبي مفهوم. ففي العديد من البلدان، تعاني أنظمة اللجوء من نقص مزمن في الموارد. وتستغرق دراسة الطلبات سنوات، بينما يبقى العديد من المتقدمين الذين تُرفض طلباتهم في البلدان المضيفة، ما يعزز الانطباع بوجود خلل وفوضى وانعدام للعدالة.
لكن هذه إخفاقات في التطبيق والتنفيذ، وليست عيوباً في اتفاقية اللاجئين نفسها. فالاتفاقية توفر الأساس القانوني لإدارة فعالة للحدود، لأنها تحدد من هو اللاجئ ومن ليس كذلك. وهي لا تلزم الدول بقبول كل من يصل إلى حدودها. إذ إن صفة اللاجئ مخصصة لمن يفرون من الاضطهاد أو النزاعات أو الأذى الجسيم، ولا يستطيعون الحصول على الحماية من حكومات بلدانهم.
لذلك، لا يكمن الحل في تفكيك قانون اللاجئين، بل في جعل أنظمة اللجوء أكثر كفاءة. تحتاج الحكومات إلى إجراءات تمكنها من فرز الوافدين بسرعة، وتقييم طلباتهم بصورة عادلة وسريعة، والتمييز بين من يستحق الحماية ومن لا يستحقها. وينبغي منح الفئة الأولى الحماية على وجه السرعة، في حين يجب إعادة الفئة الثانية وفقاً للقانون. وتتيح الاتفاقية، إلى جانب أنظمة اللجوء الفعالة، تحقيق ذلك.
فالأنظمة التي تستغرق سنوات لاتخاذ القرارات لا يمكنها الحفاظ على ثقة الجمهور. وبحلول نهاية عام 2025، كان هناك ما يقرب من 9 ملايين طلب لجوء عالقاً في مختلف أنحاء العالم. ويتطلب تقليص هذا التراكم الاستثمار في المحاكم وموظفي دراسة الملفات والإجراءات الحديثة، بما في ذلك تسريع معالجة الطلبات التي تكون فرص قبولها أو رفضها واضحة. كما يجب على الدول أن تتعاون لضمان إعادة طالبي اللجوء المرفوضين بسرعة وبطريقة قانونية. ويمكن لترتيبات تقاسم المسؤوليات، بما في ذلك دعم عمليات العودة ونقل الأشخاص إلى دول ثالثة آمنة تتوفر فيها حماية كاملة للاجئين، أن تساعد في توفير بديل أكثر تنظيماً عن الرحلات غير النظامية والخطيرة. ويتضمن ميثاق الهجرة واللجوء في الاتحاد الأوروبي، رغم عيوبه، عناصر من هذا النهج.
تقع على عاتق الحكومات مسؤولية تأمين حدودها. لكن قوة الاتفاقية تكمن في أنها تعترف في الوقت نفسه بالمصالح المشروعة للدول، وبالرهانات الإنسانية العميقة عندما يُجبر الناس على الفرار. فالأمن والإنسانية ليسا قيمتين متنافستين، بل يعزز كل منهما الآخر.
ومع ذلك، فإن إصلاح أنظمة اللجوء وحده لا يكفي. يجب أن نتجاوز مجرد إدارة النزوح إلى الحد من أسبابه، من خلال معالجة الإخفاقات الأعمق: النزاعات التي لم تُحل، ومحدودية الفرص في البلدان التي تستضيف معظم اللاجئين، والضغوط التي تتجاوز حدود أوروبا وأمريكا الشمالية بكثير.
يستضيف نحو 70% من اللاجئين بلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، غالباً ما تكون دولاً مجاورة لمناطق النزاع وتواجه بدورها ضغوطاً اقتصادية. كما أن أكثر من ثلثي هؤلاء اللاجئين يبقون نازحين لسنوات طويلة. وهذا الوضع ليس عادلاً ولا مستداماً.
إن المساعدات الإنسانية تنقذ الأرواح في حالات الطوارئ، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن المستقبل. فالغالبية العظمى من اللاجئين لا تسعى إلى الاعتماد على الآخرين، بل تبحث عن فرصة لإعادة بناء حياتها. ومعظمهم يأمل في العودة إلى وطنه عندما يصبح ذلك آمناً. وكما يقول مثل كردي: «باريس عسل، لكن الوطن أحلى».
وتقف هذه الطموحات وراء رؤيتي لخفض عدد اللاجئين العالقين في نزوح طويل الأمد والمعتمدين على المساعدات إلى النصف بحلول عام 2035. وتتمثل الأولوية الأولى في تمكين اللاجئين من العودة الطوعية إلى ديارهم عندما تسمح الظروف بذلك. ويبقى السلام الحل الأكثر فاعلية. ففي سوريا، عاد أكثر من مليون لاجئ طوعاً منذ سقوط نظام الأسد.
أما بالنسبة إلى الذين لا يستطيعون العودة بعد، فيجب أن تكون الأولوية لتحقيق الاعتماد على الذات. فعندما يتم دمج اللاجئين في الأنظمة الوطنية، يصبح بإمكانهم الدراسة والعمل والمساهمة في الاقتصادات المحلية.
إن دعم اللاجئين بالقرب من بلدانهم الأصلية ليس عملاً خيرياً فحسب، بل هو أيضاً مصلحة ذاتية مستنيرة تقوم على التضامن الإنساني. فالدول المضيفة تستفيد من الاستثمار وريادة الأعمال، بينما تواجه الدول الأكثر ثراءً ضغوطاً أقل على حدودها. وغالباً ما تسير ما هو صحيح أخلاقياً وما هو فعّال عملياً في الاتجاه نفسه.
في نهاية المطاف، فإن إلغاء اتفاقية اللاجئين لن يؤدي إلى إلغاء وجود اللاجئين. فالحروب والاضطهاد، للأسف، ما زالا يجبران بعض الناس على عبور الحدود. والسؤال هو ما إذا كانت الحكومات ستواجه هذه الحقيقة من خلال قواعد مشتركة ومسؤولية جماعية، أم ستتراجع نحو سياسات تجعل الدول والأشخاص المستضعفين أقل أمناً على حد سواء.
لقد أدرك واضعو الاتفاقية أن حماية اللاجئين تتطلب حدوداً آمنة، وقواعد واضحة، وتوزيعاً متوازناً للمسؤوليات، وتعاوناً دولياً. كما أدركوا شيئاً أعمق: أن الإنسانية المشتركة تخلق التزامات، إلى جانب المصالح.
وبعد خمسة وسبعين عاماً، لا تزال هذه الرؤية أكثر أهمية من أي وقت مضى.