سرمد الطائي: 8 نقاط لوداع معقد
لست ولياً على النجف بل زائر لها.. خامنئي إذ “يبدد الاتهام الأخير”
1: راتبي أقل من السيستاني
أول ما فعله المرشد علي خامنئي هو خفض رواتب الحوزة الدينية، التي يدفعها كي تكون أقل من المعونة الدراسية التي يقدمها المرجع السيستاني لطلاب علوم الدين في إيران والعراق. حدث هذا منتصف التسعينات. وصية خامنئي كانت: لن نتجاوز مرجع النجف. ثم انجرفت السياسة مع انهيار صدام حسين، وامتلأ الجو باتهامات يشجعها فرق طقوس النجف المحتاطة الهادئة، عن خطط ولي الفقيه الإيراني السريعة المنفعلة. كان سؤال الشرق الأوسط عام 2003: من سيغلب ومن ستؤول إليه مرجعية الشيعة الدولية؟
2: رسل المرشد.. الوصل والفصل
لكن مرشد إيران يفهم ما يريد. هو وريث تقاليد. بقي يوصي مكتبه: لن نتجاوز مرجع النجف في رواتب رجال الدين. حتى لو ظهر لاحقاً أن خامنئي بدأ يرسل ممثلين عنه وقد وصلوا تباعاً إلى “فاتيكان الشيعة” في العراق. ما الضير؟ ألا ينبغي للمرشد أن يمتلك خطة لمرحلة “ما بعد السيستاني” حتى لو كان راتبه أقل؟
في البدء وصل آية الله محمد مهدي الآصفي. أستاذ المرشد وابن النجف. قيل إن الآصفي دخل المدينة العتيقة مكلفاً “باكتشاف ممكنات ما بعد السيستاني”. بعدها توفي هناك فقيهاً مؤلفاً زاهداً.
ثم وصل إلى النجف أو كاد أن يصل، آية الله محمود الهاشمي الشاهرودي ممثلاً للمرشد وهو كذلك أستاذ لخامنئي وابن النجف. ثم توفي، بعد أن حمل إرث النقد الفقهي الحديث ومداخل السياسة التي وصل أقصى غاياتها في طهران.
لقد مرت سنوات.. اليوم.. تصل جنازة المرشد نفسه، يحيطها شيء من اعترافات الخلاف، وأمنيات بأن الزمن لا يزال يسمح بتأويل وتفهم لقواعد “فروسية المختلفين”! هي اليوم أقرب للضرورة منها إلى الاختيار، كلما اضطرب غبار التلاعن والتنافس وبروق المطامع.
3: جنازة “أرمادا” بـ40 شراعاً
جنازة المرشد وصلت محاطة بلون من اعتراف وأمنيات، وهو وصول نادر في تاريخ فقهاء الشيعة. الجنازة قادمة من أغرب الحروب، لا يمكن التهرب من عودتها القوية إلى الماضي. نحن المولعون بتواريخ البحار لا نتخيل نهاية حرب خامنئي بجنازة دينية أو تابوت على عربة الموت. نوع الكر والفر عبر قرون يقترح خيالاً لا مفر منه. النعش محمول فوق “أرمادا” بحرية البرتغال. إنها سفن بأربعين شراعاً من القرون الوسطى، كانت دوريات أطلسية بالصواري العالية وبوارج مدججة بمدفعية حروب الأندلس. وهي تأتي اليوم بمهابة الموت نحو النجف. هي ذاتها سفن الأربعين شراعاً يوم أنهكت الإنكليز وغلبتهم ثم أنهكت العثمانيين وملوك الصفويين وأمراء العرب على ضفتي الخليج. إنه “الطوب” نفسه مستمر بالعويل كلما رصد شاطئاً يستعصي. حرب لم تعثر على سلامها، رغم أن البنادق والقباطنة ورجال الدين وشيوخ القبائل، جربوا التيه مراراً في ذلك العبور الجريء الغامض الذي بقي يبحث عن الشواطئ فلا يعثر عليها. اختلطت مصائر الفقه والسياسة مع الرحالة المغامرين وتجار التوابل والعبيد والخيول. النواعي في النجف ستردد مع جنازة خامنئي، ما يشبه “قصائد محرمة بأنغام محرمة” ورهاناً بكلمات طعمها موت يتردد طوال قرون.
4: كشوفات ناصر – صدام – الولي الفقيه
تصل جنازة المرشد إلى العراق. نعم إنها ترسو أيضاً، فهناك في النجف بحر موسمي يمتلئ ويجف، باعتراف وأمنيات. ماذا تريد أن تقول للعراق؟ الجثة ممزقة (مثلنا) ببارود من تاريخ البرتغال وهياكل القدس، ورائحة لا تنساها كشوفات الجغرافيا. بدا يوماً أنه دهر ختمه الإنكليز. ليت الاكتشاف انتهى. فالغرب تصاعدت ملاحظته بين مطلع عبد الناصر وعجائب صدام حسين، وفهم أن عليه اكتشافنا أكثر وأعمق. أدرك أننا لم نسقط بما يكفي بسقوط العثمانيين والفرس. لا في السويس ولا شط العرب ولا مفاعلات بوشهر.. احتدم الدين والسياسة عبر ضفتي المتوسط، وكشف الموج دروب الإسكندر البائدة، وهو الذي عاش على ولع الشرق بتكرار نفسه وتحريم الأسئلة.
5: سمرقند خامنئي ونجف السيستاني
تصل جنازة المرشد، ولعلها باعتراف وأمنيات. لكن خامنئي خطيب مفوه. له جرأة أن لا يخفي خلافه مع النجف (بل ومع حوزة قم نفسها)، وهو خلاف أعتى من السياسة. خامنئي ابن زقاق علي شريعتي في خراسان. هناك موسيقى وخطوط سمرقند التجارية. سحر أخذ خامنئي الشاب نحو عشق سعدي الشيرازي والمتنبي ودفعه لترجمة نظريات الإخوان المسلمين، ثم شجعه كي ينفق مالاً كثيراً في التسعينات ليدرس تلاميذه فلسفات ما بعد نيوتن حتى برترند راسل ويورغن هابرماس. وما ضيرك أنه اختلف مع المولعين بالغرب وفلسفاته!
أما النجف فحكاياتها أسرار وإشارات نسجت بقماش آخر. اعتكف فقهاء المدينة القديمة على درس تقليدي، ولا ضير أيضاً أن النجفيين مارسوا هوايات خامنئي الثقافية، ولكن بطقس سري. لقد تمسكوا بنصائح الفقهاء الهاربين من إصفهان قبل 200 عام. لا فلسفة. لا موسيقى. لا علي شريعتي. أيضاً لا محمد باقر الصدر!
6: فقهاء إيران في إيران.. فقهاء إيران في العراق
دار الزمان. خامنئي في التسعينات “أخطر مثقف في إيران”. هو أبرز المفكرين أو رفيقهم. خبير في التحكم بمثقفي طهران “درجة قمع وضبط يؤمن بها”.
مر الزمان، وبقيت النجف تحتمي بالفقه القديم وذاكرة “فتن الدهور وصروف الأيام” قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها. هي تحفظ دروس إسطنبول وطهران. كان خامنئي يريد التقدم نحو خط التماس القديم مع جيوش الإسكندر وفارس أو بابل القديمة. أما النجف فتنسى معارك الإسكندر. نعم لا يشغلها ذلك فقد تأسست على خطة كبرى: الأولوية هي الإفلات من شهوات السلطان الإيراني منذ هاجر الفقهاء بعد سقوط إصفهان (القرن 18) نحو الضفة الصحراوية للفرات، على حاشية مقبرة عملاقة يرقد فيها أعاجم وأعاريب نسجوا حضارة العباسيين مع البصرة وقبل بغداد. هذا تجمع علماء كبار جديد قرب المشهد العلوي. قافلة الفقهاء الإيرانيين قطعت طريقاً طويلة قبل 200 عام، لتعيش بين فطرة صافية لعراقيي ذلك الزمان، وتتحرر من سطوة إيران.
فقهاء من إيران وردوا أرض العراق بحثاً عن استقلال ديني، هرباً من السلطان الإيراني “مهما بلغ الثمن”. طهران والنجف خطان متوازيان لا يلتقيان حتى بمشيئة السلاطين، طالما اتجاه البوصلة متناقض بهذا العيار.
7: تحت ما يعرفه الفقه عن نفسه
تصل جنازة المرشد، باعتراف وأمنيات. نعم فقد اختلفنا يا نجف.
لنقل إن الخلاف كان مرة حول حكم العراق بعد صدام.
وأخرى حول العلاقة مع “الإفرنجة” وواشنطن.
ومرة ثالثة اختلفنا على مقتلة تشرين. لا تنسوا ذلك.
ولكن لنعترف. الفقه تأسس على وقائع متغيرة. لا بأس لو لم يكن لدى حرس الثورة وقت لفهم ذلك حالياً. ولكن هل أمامنا فرصة لافتراض أن خط المرشد بدأ يتفهم رويداً، هدوء النجف؟
أين المرشد؟
ها قد صرنا اليوم نحاور واشنطن (يبدو جميعاً).
“نتكيف” مع العلمانية (يبدو جميعاً).
وجميعاً أيضاً، لم نصدر فتاوى تكفر صبايا طهران السافرات وقد صار مباحاً حضورهن في جنائز الفقهاء، كما في كل الدنيا منذ حمورابي.
لعل هذه قشور في حيل الشرائع، لكن لون السطح حين يتغير، يخفي ما تحت القشور عند الحكماء. هناك حركة أعمق ترقد تحته. قد لا تحب معرفة الأمر، لكنه يشجع على حيل التقريب والتخفيف، نحو شريعة المقاصد والعلل لا الظواهر والهتافات. هل سيكون لحرس الثورة وقت لتأمل ذلك؟ ولم لا؟
8: تخت إيران يعاين استقلال النجف
جنازة المرشد خامنئي تأتي.. أخطر مثقف في إيران، عاشق شريعتي، المنحاز لموسيقى “سه تار” وألغاز المتنبي. المولود على حدود سمرقند ودروبها وأفيونها العتيق، “صاحب وجهة النظر في ضبط الشعوب”، المدمن على قراءة كتب السوفيت صعوداً وسقوطاً.. وهنا يسأل محبو الكشوفات الجغرافية: هل ترك المرشد وراءه على تخت ملوك إيران وعرشهم من سيقرأ خرائط المرشدين بعده؟ هل سيعرفون النجف بعدك، كما عرفت أنت هذه النجف؟
ها هي فوق الأرمادا.. عربة الموت المهيب. تصل جنازة المرشد، محاطة باعتراف وأمنيات. كأن محبي الكشف يسمعون صاحبها وهو يطلق أمنية.. يريد نفي التهمة الأخيرة: لست ولياً على النجف. ها أنا زائر لها.