وصفة عبد الرزاق هزيم طوال الصيف

تخمير شراب مرّ في هيت خالطه بخار الصخر وعصير التمر.. جزء من حكاية “مي الكُبر”

في مدينة هيت غربي الأنبار، ينتشر نبات “الكبر” الصحراوي كجزء أساسي من الوجبات اليومية لدى العائلات الهيتية، إذ لا يكتفي الأهالي بأكل هذا النبات المخلل فحسب، بل يحرصون أيضاً على شرب مائه المخمر لما يمتلكه من طعم مميز وما يتوارثونه حول فوائد صحية ترافقه.

وعلى متن دراجته النارية، يجوب عبد الرزاق هزيم، شوارع مدينة هيت لبيع نبتة “الكُبر” الصحراوية ومائها المخلل، محيياً مهنة توارثها عن أجداده، ونبات “الكبر”، هو شجيرة شوكية برية تنمو تلقائياً في البيئات الصحراوية الجافة والمناطق الصخرية، وفي هيت، لا يستهلك الأهالي الجذور أو الأجزاء اليابسة من هذه الشجيرة، بل يقتصر الجني على قطف الأغصان الطرية، والأوراق الخضراء، والبراعم الزهرية قبل تفتحها، وهي الأجزاء الصالحة للاستهلاك البشري.

كيف يستهلكون “الكبر”؟
لا يطبخ نبات “الكبر” على النار، بل يؤكل بارداً كمقبلات وفاتح شهية شعبية تشبه إلى حد كبير “الطرشي العراقي”، ويقدم كطبق جانبي رئيسي في الوجبات اليومية لأهالي هيت، حيث يتم تناوله إلى جانب الخبز والبصل الأخضر والخيار والقثاء.

هل يؤكل “الكبر” فقط؟ أم يتم شرب مائه؟
في الواقع يؤكل “الكبر” ويشرب مائه في آن واحد، حيث يمثل “مي الكُبر” (وهو ماء التخليل الناتج عن تخمر النبتة مع الملح الخشن والتمر لأسابيع) مادة علاجية وغذائية للأهالي في هيت.

وكذلك يأكل الأهالي النبتة المخللة مع البصل الأخضر والخيار والقثاء، أو تغميس قطع الخبز في “مي الكُبر” ليمتزج طعمه الحامض والمالح المميز مع الخبز.
ويحرص الكثير من أهالي هيت على شرب كميات محددة من “ماء الكبر المخمر” كجرعة علاجية وتصفية للجسم، لما يحمله من عصارة مركزة غنية بالفوائد الطبية المستخلصة من النبتة الصحراوية.

من الرمادي إلى القائم.. مناطق نمو “الكُبر”

ويقول عبد الرزاق هزيم، الذي يعمل ببيع “مي الكُبر”، لشبكة 964: “إن الكُبر نبات صحراوي ينمو في المناطق الصخرية الممتدة من غرب الرمادي وصولاً إلى حدود قضاء القائم، والتي تعرف محلياً باسم (البراقة)”.

وأوضح هزيم أن “هذا النبات يتغذى على بخار المياه الجوفية الموجودة تحت الأرض ولا يعتمد على مياه الأمطار، إذ يبدأ بالظهور في شهر نيسان ويستمر طوال الصيف، لكنه يموت فور هطول أول قطرة مطر في الخريف”، لافتاً إلى أنه يحرص أثناء جني المحصول على قطعه بالمقص دون اقتلاعه من جذوره، لأن “اقتلاعه يمنع تكاثره مستقبلاً، وهو أمر خاطئ بالنسبة لي”.

كيف يحضر “ماء الكُبر” ؟

ويشرح هزيم، طريقة تحضيره “الكُبر”، قائلاً: “بعد جمعه من الجزيرة، نقوم بنقعه في الماء لمدة 3 أيام مع تبديل المياه يومياً للتخلص من مرارته الشديدة، ثم يقطع إلى أجزاء صغيرة بطول يتراوح بين 5 إلى 10 سنتيمترات”.

وأضاف: “يعبأ النبات بعدها في عبوات ويضاف إليه الملح الخشن، وفي اليوم التالي نبدل الماء ونضيف مقداراً آخر من الملح مع (7 حبات من التمر)، ثم تغلق العبوات بإحكام لمدة 21 يوماً حتى يتخمر ويصبح جاهزاً للاستهلاك”، مشيراً إلى أن الزبائن يشترونه إما جاهزاً أو بأوراقه وأزهاره الكاملة ليعيدوا تخليله في المنازل مبرداً.

أسعار “الكُبر”

وبشأن آلية التسويق والأسعار، يبين هزيم أن لديه وكلاء لتوزيع المحصول في أحياء “المعلمين” و”الجمعية” في هيت، فضلاً عن بيعه المباشر عبر الهاتف والتجوال على دراجته بين مناطق هيت.

ويقول هزيم، إن الأسعار تتوزع في السوق كالتالي: “بالنسبة للعبوة الكبيرة تباع لأصحاب المحال بالجملة بسعر يتراوح بين 5 إلى 6 آلاف دينار، وتصل للمستهلك بنحو 8 آلاف دينار، أما العبوة الصغيرة فتباع بالجملة مقابل 900 دينار، وتباع للمستهلك بـ 1500 دينار تقريباً “.

فوائد “ماء الكُبر”

وأكد هزيم أن “مي الكُبر” كان جزءاً أساسياً من الهوية اليومية لبيوت مدينة هيت في الماضي، حيث يقدم مع الخبز الحار والخيار والقثاء والبصل كوجبة شعبية شهيرة.

وبين هزيم أن هناك فوائد طبية كبيرة للنبات، مؤكداً أنه “مفيد جداً لعلاج آلام المفاصل، والرمل، واضطرابات القولون، فضلاً عن قيام الأهالي بطحن أوراقه اليابسة وخلطها مع الحناء لوضعها على مواضع الألم كمسكن طبيعي مجرب”.