هل تُنقل شعلة النفط إلى مكان آخر؟

”جار السوء“ يهدد الدورة وضواحيها.. أقدم مصافي العراق إلى القضاء بتهمة التلوث

تنشر مصفاة الدورة، جنوب غربي بغداد، سموم عمليات تكرير النفط، في سماء العاصمة، بسبب انعدام معدات التنقية واختفاء الحزام الأخضر المحيط بالموقع. وفيما رفعت مؤسسات عراقية دعاوى قضائية ضد المنشأة بتهمة الإهمال والتسبب بالتلوث، يفضل الخبراء نصب الفلاتر الخاصة بتنقية انبعاث الغازات، بدلاً من نقل المصفاة بالكامل إلى موقع آخر.

وتعمل مصفاة الدورة على تصفية وتكرير النفط على مدار الساعة طيلة أيام السنة تقريباً، من دون تدابير السلامة البيئية، وفقاً لموظفين في المصفاة.

ويقع مجمع الصناعات النفطية في الدورة، على مساحة قدرها 2500 كيلومتر مربع، تضم كذلك مصنعاً متطوراً لعلب تعبئة الزيوت، ينتج حوالي 80 ألف علبة شهرياً.

جار السوء “المسموم”

وأسهم تغيير جنس الأراضي الزراعية المحيطة بالمصفاة إلى سكنية، في جعل السكان المحليين على تماس مباشر مع ”جار السوء“، الذي بات أهم مصدر للتلوث في العاصمة، وفقاً للأهالي وخبراء بيئة.

وحين أنشأت المصفاة عام 1953، حظرت السلطات السكن في محيط الموقع لأسباب أمنية، وخصصته للمساحات الخضراء، لكن بعد عام 2003 زحفت المباني السكنية عليها بعد السماح بتغيير جنس الأراضي.

وبحسب خبراء، تحدثوا لشبكة 964، فإن إنهاء التلوث الذي تسببه المصفاة لا يتطلب أكثر من تجهيزها بمنظومة حديثة لوقف الانبعاثات، إلى جانب تدوير النفايات الثقيلة.

وقال خمسة فنيين يعملون في المصفاة، لشبكة 964، إن “المنشأة لا تمتلك فلاتر تنقية خاصة، فيما تدخل الغازات السامة إلى المنازل عبر وحدات التبريد”.

لكن مدير المصفاة، عائد عمران، أكد امتلاك الأجهزة والمعدات اللازمة لمراقبة الغازات الناتجة عن عمليات تكرير النفط بما ينسجم والمعايير الصحية والبيئية.

وقال عمران لمراسل 964، إن “مصافي الوسط تعمل منذ عقود على التقليل من أضرار الانبعاثات عبر تزويد الوحدات الإنتاجية بالتقنيات اللازمة والتخلص من الوحدات القديمة، واستخدام الوقود الخفيف في عمليات الاحتراق للتقليل من انبعاث ثاني أوكسيد الكاربون“.

لكن الفنيين العاملين في المصفاة قدّموا مزاعم مختلفة تماماً عما يقوله المسؤول النفطي، ذلك أن فوهات التكرير تنفث الغازات السامة دون أي إجراء.

ومع ذلك، فإن مدير المصفاة أكد أنها ”بصدد التعاقد على نصب جهاز استرجاع غاز الشعلة وتحويله إلى وقود خفيف يستخدم في تشغيل أجزاء من المصفاة، بالإضافة إلى زيادة المساحات الخضراء ضمن مساحات مجمع الصناعات النفطية في الدورة “.

إعدام “الفلتر” الأخضر

وأسهمت المساحات الخضراء المحيطة بالمصفاة في تنقية الهواء من الملوثات السامة قبل وصولها إلى السكان أو مياه دجلة والأراضي الزراعية القريبة، لكن بعضها جُرّف بعد 2003، لأسباب تتعلق بالتمشيط الأمني، فيما تولّى زحف المساكن تجريف الباقي.

وعرف سكان الدورة ومحيطها، خلال السنوات الماضية، حالات متكررة من انتشار غازات تشبه روائحها غاز ثاني أوكسيد الكبريت، فيما شوهدت سحب كثيفة من الدخان الأصفر تتصاعد من مداخن المصفاة لأكثر من مرة.

وقال شاكر الحاج، مدير حماية بيئة الوسط لشبكة 964، إن “الروائح التي تنتشر مراراً في أجواء بغداد ناجمة عن انبعاثات سببها حرق غير مكتمل أثناء إنتاج المشتقات النفطية في المصفاة”.

ويطالب سكان محليون السلطات بحل مشكلة التلوث البيئي، بسبب “نشاط المصفاة وانبعاثاتها التي حولت لون السماء إلى رمادي، وهواءها إلى سموم”.

وقال حيدر محمد، وهو خبير بيئي، إن “هواء بغداد يحمل أكاسيد النيتروجين والكبريت والهيدروكربونات، فضلاً عن ترسب مركبات الرصاص والأوزون الأرضي ودقائق ترابية والعديد من الملوثات“.

وأضاف محمد، أن “هذه الملوثات تحمل مواد سُمّية تسبب أمراض الجهاز التنفسي والهضمي وأمراض الجلد والعيون، ومواد مسرطنة”.

المصفاة إلى القضاء

ورفعت مفوضية حقوق الإنسان دعاوى قضائية، تتعلق بأداء مصفاة الدورة، فيما أحالت في وقت سابق ملف “انتهاكات” صحية في مصفى الدورة إلى محكمة مختصة.

وقال علي البياتي، العضو السابق في المفوضية، إن “الإدعاء العام وجّه المحكمة المختصة بالتحقيق في موضوع ملف الانتهاكات في الصحة والسلامة البيئية من قبل مصفاة الدورة في بغداد”.

ورفضت وزراة البيئة عمليات تغيير جنس الأراضي الزراعية المحيطة بالمصفاة إلى سكنية، وتؤكد أنها تواصل التعاون مع جهات أخرى لإيقاف تجريف الغطاء الأخضر.

وقال أمير علي حسون، مدير الإعلام في وزارة البيئة، إن “الحكومة تعمل بالتنسيق مع الجهات المعنية لمنع تحويل أجناس هذه الأراضي”، مبيناً أن “الأراضي المحيطة بمصفاة الدورة مملوكة للقطاع الخاص والمواطنين”.

ووافق مجلس الوزراء، في 28 تشرين الثاني 2022، على تحويل الأراضي الزراعية إلى سكنية (طابو)، في حين تحدثت وزارة الزراعة عن وجود شروط لتحويل هذه الأراضي إلى سكنية وبموافقات حكومية أصولية.

ويجمع خبراء البيئة والنفط، على إبعاد المصفاة عن مركز المدينة والأحياء السكنية التي باتت تحيط بالمجمع النفطي، إثر التوسع السكاني والعمراني، بعد أن كان الموقع الحالي للمصفاة عند إنشائها خارج المخطط الرسمي لمدينة بغداد، غير أن فكرة نقل موقع المجمع لا تبدو ممكنة حالياً.

وقال صباح علو، وهو خبير نفطي، إن “تفكيك المصفاة ونقلها إلى موقع أبعد، يتطلب تعويض ما تنتجه حالياً من احتياجات الاستهلاك للمشتقات النفطية”، إذ مايزال العراق يستورد ما قيمته 3.5 مليار دولار من المشتقات النفطية رغم استمرار تشغيل مصفاة الدورة “.

هل تُنقل المصفاة؟

وطالبت لجنة الصحة والبيئة النيابية مراراً، بنقل مصفاة الدورة إلى مكان آخر خارج العاصمة استناداً للضوابط البيئية الدولية.

لكن الخبير النفطي يستبعد إمكانية تحقيق هذا المقترح، نظراً إلى الكلفة التي قد تصل إلى 5 مليارات دولار، إذا ما توخّى المشروع التخطيط الهندسي والتقني الحديث“.

وتمتلك البلاد حالياً 14 مصفاة، منها 12 مصفاة حكومية في محافظات مختلفة، فضلاً عن وجود عدد من المصافي الاستثمارية في إقليم كردستان.

ويسهم العراق مع 10 دول أخرى حول العالم في 70 في المئة من انبعاثات حرق الغاز في العالم، وفقاً لتقرير صادر عن شركة أبحاث الطاقة وذكاء الأعمال “ريستاد إنرجي”.

ووفقاً للتقرير، فإن انبعاثات الكاربون الناتجة عن حرق الغاز في قطاع الاستكشاف والإنتاج حول العالم بلغت 276 مليون طن، خلال العام 2021، فيما يمثل نشاط الحرق 30 في المئة من إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، التي تطلقها صناعة النفط والغاز.

*رامي الصالحي