تظاهرة مساندة لإيران في بغداد أثناء حرب 12 يوماً في حزيران 2025 - شبكة 964
بصمة جورج بوش بين FTO وSDGT
شرح موسع للعقوبات الجديدة ضد الفصائل.. هل أنت بغدادي أم جولاني أم خزعلي؟
“لم يكن هذا ما تنتظره بغداد الآن”.. يرصد هذا التقرير التغير التدريجي المتسارع في بوصلة التشريعات الأميركية ضد العراق، من استهداف تنظيمات من لون “القاعدة”، إلى الاستدارة بتعامل أكثر خشونة مع الجماعات العراقية التي عاشت طيلة عقود “بمستوى معتدل” من العقوبات الأميركية، فبعد الحزمة التي صدرت قبل ساعات.. تضاعفت حصة العراق في سلة الجهات التي تصنفها الولايات المتحدة كمنظمات إرهابية، إذ انضمت 4 فصائل جديدة هي النجباء وكتائب الإمام علي، وأنصار الله الأوفياء، وكتائب سيد الشهداء، وبهذا تكون الفصائل الأربعة قد التحقت بحركة عصائب أهل الحق (على اللائحة منذ 2020) وكتائب حزب الله (منذ 2009) ليصبح المجموع 6 فصائل عراقية تصنفها واشنطن “منظمات إرهابية”.. وتدفعها إلى مفترق 3 طرق، يمكن اختزالها بمسار البغدادي، ومسار الجولاني، ومسار الخزعلي بينهما.. ويسرد هذا التقرير فصول تطور التعامل مع العراق من “ربيع جورج بوش” إلى “خريف ترامب”، فكيف وصلنا إلى هنا؟
هدايا الفصائل من طرف واحد
فجأة.. بدا أن كل أيادي السلام التي امتدت إلى “السفارة” عادت فارغة، ولم يتم تقدير قرارات صعبة تجرعتها الفصائل العراقية لتجنب التوتر وإبعاد البلاد عن الانزلاق، ومنها أن فصائل المقاومة قررت إيقاف عمليات المقاومة وإلغاء كل العمليات ضد المصالح الأميركية ثم الانسحاب المبكر من جبهة إسناد فلسطين، وصولاً إلى سحب قانون الحشد الشعبي نزولاً عند التحذير الأميركي، وإطلاق سراح الباحثة الروسية الإسرائيلية إليزابيث تسوركوف بلا مقابل، وقبل أيام فقط من حزمة العقوبات المباغتة.
يتابع هذا التقرير الطريقة التي كانت تعتمدها واشنطن في معاقبة الجهات العراقية وفق طريقة SDGT وكيف انتقلت إلى طريقة FTO التي تبدو أكثر تعقيداً وخطورة.. وفي ما يلي أبرز المعلومات التي حصلت عليها شبكة 964 خلال محاولة فهم التطور الأخير والخطير وغير المتوقع في ظل ما كان يُعتقد أنه “أجواء تهدئة وتبادل هدايا” بين حلفاء إيران في العراق وواشنطن.
عقاب عتاب.. وعقاب آخر
في التعامل مع العراق.. استخدمت الولايات المتحدة طريقتين في العقوبات، الأولى تكفل بها “مكتب مراقبة الأصول الأجنبية” OFAC التابع لوزارة الخزانة الأميركية، وتصدر هذه الوزارة قوائم طويلة من أسماء الشخصيات أو الكيانات من العراقيين وغيرهم، ضمن ما يتم اختصاره بعبارة SDGT وهي الأحرف الأولى من “مصنف بشكل خاص كإرهابي عالمي” أو SDN “مصنف بشكل خاص”، وهو تصنيف يبدو أكثر تساهلاً في إصداره وأقل خطورة في عواقبه رغم عنوانه الملغوم، فالقوائم تصدر بأسماء جماعية ودفعات كبيرة وبذرائع مختلفة.
أما المستوى الثاني من العقوبات فلا يصدر من الخزانة بل من وزارة الخارجية، ويُختصر إلى FTO، الأحرف الأولى لعبارة “منظمة إرهابية أجنبية” وتضم القائمة الأميركية 60 فصيلاً فقط حول العالم، ويتم بموجبه تصنيف الفصيل بالكامل “منظمة إرهابية”، وهو ما لم يحصل مع العراق قبل اليوم إلا في حالات نادرة مثل داعش والقاعدة والعصائب وكتائب حزب الله، ليقرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب استخدامه مجدداً في التصنيف الأخير ضد الفصائل الأربعة، ولأول مرة منذ 6 أعوام.
يُنظر إلى SDGT بوصفها عقوبة مخففة أو أولية، وهو المستوى الذي اعتادت واشنطن على استخدامه ضد مناوئيها في العراق، أما FTO فيصفها المجلس الاستشاري الأطلسي بأنها “عقوبات الفئة الذهبية” في تصنيفات الإرهاب، وتدّخرها الولايات المتحدة إلى المراحل الأكثر تقدماً من المواجهة أو الصفقة.
لمزيد من المقارنة بين الحزمتين، يمكن متابعة تفضيلات الرئيس الديمقراطي جوزيف بايدن، الذي أصر على اعتماد SDGT مع الحوثيين، بخلاف الرئيس الحالي ترامب الذي أعاد FTO ضد الجماعة اليمنية، ثم استخدم “الحزمة الذهبية” ذاتها قبل ساعات ضد الجماعات العراقية، ومع FTO.. تتشدد العقوبات وصولاً إلى تجريم التواصل مع المشمولين بأي طريقة، ولذلك فإن الأمم المتحدة فاوضت ترامب مراراً لمنع تصنيف الحوثيين، فحتى المساعدات الإنسانية ستغدو صعبة لأن إرسالها لن يخلو من مخاطرة، بخلاف الحال لو بقي الحوثيون ضمن SDGT فقط.
ويذهب معظم الخبراء الأميركيين المختصين بتفسير تشريعات بلادهم، إلى أن حزمة FTO “أكثر عدائية” من SDGT، ومع هذا، فإن تلك الأخيرة (SDGT) على ضعفها النسبي.. كانت عاملاً ساعد بايدن في إقناع الكونغرس بشرعية التدخل العسكري في اليمن، أما ورقة FTO المتشددة التي أرسلها ترامب إلى العراق فلا تبدو مفهومة في البلاد التي تحاول بالكاد النهوض من جديد على مستوى الخدمات والاستقرار، خاصة وأن العراق عمل -بحكومته وفصائله المسلحة بكل أجنحتها المعتدلة والمتشددة- على تجنب إغضاب الولايات المتحدة بكل الوسائل.
من تنظيم القاعدة إلى حركة العصائب
يشرح هذا الجزء جانباً من عقوبات المستوى الأول، وهي خاصة بالخزانة، ويمكن ملاحظة الانتقال البطيء في التشريعات والأوامر التنفيذية على مدى 25 عاماً، حيث انحرفت البوصلة تدريجياً عن تنظيمات مثل “القاعدة” و”بوكو حرام”.. واتجهت إلى جهات من نوع عصائب أهل الحق والنجباء.
يمكن توثيق لحظة بداية.. مع صدور الأمر التنفيذي 13224 الذي وقعه الرئيس جورج بوش بعد 12 يوماً من هجمات 11 سبتمبر 2001، وكان يستهدف “وضع حد للنشاط الإرهابي”، وامتلأت القوائم منذ ذلك الحين بالمعاقبين المرتبطين بجماعات القاعدة وأمثالها، وفي عهد بوش، نصت الأوامر على أنه “بمجرد أن يقوم وزير الخارجية أو وزير الخزانة بتصنيف فرد أو كيان وفق الأمر 13224، يتخذ مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) الإجراءات المناسبة لحجز أصول الفرد أو الكيان داخل الولايات المتحدة أو التي تقع ضمن حيازة أو سيطرة أشخاص أمريكيين”، وهو ما بات يُطلق عليه الشمول بـ SDN أو SDGT التي ورد ذكرها سابقاً.
عام 2012 وقع الرئيس باراك أوباما ما يُعرف بقانون “ماغنيتسكي” الذي كان موجهاً ضد روسيا، لكن الكونغرس قام عام 2016 بتوسعة القانون بما سمح للحكومة بمعاقبة مسؤولين حكوميين أجانب بتهمة التورط بانتهاكات حقوق الإنسان في أي مكان من العالم بعدما كانَ يشمل روسيا فقط.
عام 2017 أصدر ترامب في ولايته الأولى الأمير التنفيذي 13818، مستنداً إلى قانون “ماغانيتسكي” وقد اعتمدت عليه الخزانة في قرار معاقبة رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض.
وبناء على قوانين بوش وأوباما وترامب، عاقبت الخزانة الأميركية قائمة طويلة من الشخصيات العراقية من بينها قيس الخزعلي وشقيقه ليث وأحمد الحميداوي ونوفل العاكوب، وخميس الخنجر، وأحمد الجبوري (أبو مازن)، وريان الكلداني، ووعد القدو وآخرين، لكن الأمر بقي ضمن المستوى الأول SDGT.
في الرابع من شباط الماضي.. وضع ترامب بصمته الأوضح حين وقع “مذكرة الأمن القومي الرئاسية الثانية” التي وجهها إلى 17 وزيراً ومسؤولاً ودائرة أميركية وبأحرف “الكابتل لتر” التي يحبها!، وعنونها بعبارة “العقوبات القصوى على حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحرمانها من جميع السبل للحصول على سلاح نووي ومواجهة النفوذ الإيراني الخبيث” وكتب تحتها صفحات عدة من التوجيهات الشديدة.
في حزمة FTO التي صدرت الأربعاء ضد الفصائل العراقية الأربعة، استندت الخارجية إلى مذكرة ترامب إياها.
ما مصير المصابين بقرار FTO؟
خلافاً لما يملأ “تويتر – أكس” منذ صدور القرار.. فإن التشريعات الأميركية لا تقول في نصوصها شيئاً عن توجيه ضربات أو تصفيات جسدية، النصوص لا تقول لكن خبراء القانون الأميركي يستعرضون وقائع التاريخ والحاضر عن الجماعات التي تم تصنيفها أميركياً كمنظمات إرهابية.
أبو بكر البغدادي دخل هذا التصنيف وتم قصفه مع “خلافته” بطائرات الأميركان والناتو حتى النهاية واختفت جثته، أما في الجوار.. فقد جرت ترقية مُصنّف آخر على القائمة ذاتها إلى رئيس جمهورية كما في تجربة الجولاني – الشرع وقد انضمت جماعته إلى قائمة “المنظمات المرفوعة من قائمة الإرهاب“، وبين المسارين.. ثمة تجارب أخرى تُظهر إمكانية التعايش الطويل مع تصنيف FTO بطريقة “أمر بين أمرين”، كما في حالة حركة عصائب أهل الحق، التي تدخل عامها السادس بسلام، ومع حقائب وزارية ومناصب حكومية وازنة، بل مع توقعات لزعيم الحركة بأن يحوز التأثير الأكبر في تشكيل الحكومة المقبلة.
ST,MA,MB,FN