السويب يختبر مهارة تقاسم الضرر

خريطة تشرح ما يفعله الخليج.. أول توتر في التاريخ بين شمال وجنوب البصرة!

السويب (البصرة) 964

هذه المرة الأولى التي تتسبب فيها المياه بتوتر أهلي بين مجتمعات البصرة المتنوعة في مناطق القرنة شمال المحافظة ومناطق أبو الخصيب جنوباً. في العادة قد يتنازع الجيران على المياه والمراشنة، لكن ما حصل ابتداءً من منتصف آب، دق جرس إنذار خطير، وقسّم شط العرب إلى شطرين اجتماعيين تتعارض مصالحهما، الأمر الذي دفع رجال الدين وعشائر الجنوب لشد الرحال إلى الشمال والاطلاع على حقيقة ما يجري قبل أن تتفاقم “الفتنة” على حد تعبيرهم. وبدأت القصة من نهر السويب الذي لم يكن سابقاً محط اهتمام، وفي هذا الفيديو سيظهر متحدثون بنفوس طيبة يحاولون رأب الصدع، لكنهم سيقولون بعض المعلومات غير الدقيقة وفقاً للخبراء، حيث يفترض المتحدثون أن المياه موجودة بالفعل، وأنها تصعد إلى الشمال.. ولكن بالعودة إلى أصل المشكلة الحساسة.. ما الذي جرى مطلع تموز وكيف انفجر الأمر؟ وهل ستستمع السلطات إلى نصائح الخبراء الواردة في هذا التقرير المفصّل وتتوقف عن تشغيل المضخات في أوقات المد البحري وتكتفي بتشغيلها في ساعات الجزر؟

ماهو السويب؟

نهر السويب هو رافد يتغذى من فوائض هور الحويزة في ميسان شمالي البصرة، ويصب في شط العرب تاريخياً قرب ملتقى دجلة والفرات (القرنة) من جهة الشرق، تقع هذه النقطة على بعد 70 كم شمال مركز مدينة البصرة، وعلى بعد 180 كم شمال البحر، ومن القرنة إلى بحر الفاو.. تتراصف أهم مدن البصرة عمودياً على ضفتي نهر شط العرب.

قبل أن يلتقي نهر السويب بشط العرب، ثمة سدة صغيرة، كانت تعمل في السابق في فترات ارتفاع منسوب شط العرب، ومهمة السدة حبس جزء من مياه نهر السويب للحفاظ على مستوياته بما يبقي المناسيب جيدة في هور الحويزة.

“كتيبان” تنقذ الجنوب من فك البحر

على بعد 50 كم جنوب السويب، تقع منطقة كتيبان على ضفة شط العرب الشرقية، وفيها مشروع لقناة تسحب الماء من ضفة شط العرب الشرقية وتنقله إلى مناطق جنوب البصرة، مثل أبو الخصيب والفاو.

تقع مدينة الفاو على الواجهة البحرية للعراق بشكل مباشر، بينما لا تبعد حدود أبو الخصيب عن البحر أكثر من 60 كم، هذا القرب يجعل تلك المدن والبساتين غارقة بالمد البحري الشديد الصاعد أي غارقة بالملح في سنوات الشح المائي، مياه الشرب والري أسوأ من بعضها، رغم أن تلك البساتين كانت تاريخياً أخصب مناطق العراق وأقدرها على إنتاج صنوف التمور الفاخرة، وفي الماضي، كان التدفق القوي لمياه دجلة والفرات في شط العرب كفيلاً بدفع مياه البحر، واليوم مع تراجع المنسوب، اجتاحت المياه المالحة شط العرب وتوغلت في العمق فصعدت شمالاً قاطعة مسافة طويلة بنحو 170 كم.

في مناطق تبعد عن البحر 150 كم مثل الدير، قد تصل نسبة الملوحة في شط العرب إلى 10 آلاف TDS، تشير نتائج المختبرات إلى أنها “ملوحة بحر” وليست ملوحة تربة من المبازل أو التلوث، يحدد الخبراء النسبة الطبيعية لملوحة المياه عند أقل من 2000 TDS.

توصل الخبراء العراقيون إلى أن إنقاذ مناطق جنوب البصرة المطلة على البحر غير ممكن إلا بنقل المياه العذبة من الشمال عبر قناة تهرب بالمياه من مد البحر في شط العرب، ولهذا ظهر مشروع قناة كتيبان، التي تبدأ من نقطة (مقابل الهارثة) تبعد عن البحر 120 كم، والهدف أن تنقل القناة المياه وتقطع 40 كم إلى أبو الخصيب مروراً بمناطق شرق البصرة مثل التنومة، حيث تنمو (البصرة الجديدة)، ثم تنزل القناة بأنابيب تحت نهر شط العرب وتتجه إلى الفاو ليصل طولها الكلي إلى أكثر من 100 كم.

كتيبان منهكة.. وتستغيث بالسويب!

بدأ الإشكال الأخير، حين صارت المياه التي تنقلها حتى قناة كتيبان، مالحة أيضاً.. وهنا.. هل تتذكرون نهر السويب؟

قررت السلطات المحلية تغذية قناة كتيبان من نقطة أعلى، فمدت مساراً مائياً ينقل المياه من السويب عبر الصحراء الشرقية إلى قناة كتيبان التي ستتولى تغذية شرق وجنوب البصرة، وتم تشغيل المضخات مطلع تموز الماضي وتخففت نسبة الملوحة جنوب البصرة، وبعد نحو شهر اندلعت أكبر احتجاجات في المنطقة، فما الذي حدث؟

تضررت المناطق الواقعة بين نهر سويب وبداية قناة كتيبان، كل الحقول بطول 50 كم على ضفتي شط العرب شعرت بارتفاع ملوحة النهر، فلماذا حدث هذا؟

تحدثت شبكة 964 إلى الخبير العراقي البارز علاء البدران لفهم ما حصل.. وقد نبّه إلى أن السلطات ربما ارتكبت خطأ فادحاً، حين شغلت المضخات على المسار الجديد طيلة اليوم، بينما كان عليها إيقاف السحب في توقيت مدّ البحر، وتشغيلها فقط في وقت الجزر، لأن تشغيل مضخات السحب في وقت المد تسبب بسحب المزيد من مياه البحر المالحة إلى الشمال، وأفسد مياه شط العرب.

السويب يغلق بابه بوجه كتيبان

بعد الاحتجاجات.. قررت السلطات على مضض السماح بإغلاق المسار المائي الجديد، رغم ما يعنيه ذلك من توقف إمداد قناة كتيبان التي تغذي مناطق جنوب البصرة، من أبو الخصيب والسيبة وصولاً إلى الفاو، وصباح الأحد أعادت السلطات افتتاح القناة على أن تضخ 3 أمتار مكعبة في الثانية فقط، استقبل أهل الجنوب الخبر بارتياح، بينما جدد أهل الشمال اعتراضاتهم وتلويحهم بالتصعيد.

مثل إغلاق المسار المائي الجديد المغذي لقناة كتيبان مشكلة عابرة للأزمة المائية، لقد بدا المشهد كما لو أن مناطق البصرة ومجتمعاتها المتنوعة تتنازع المياه، وتقطعه عن بعضها البعض، كانت لحظة ظهور الجرافة وإغلاق المسار الجديد مناسبة سعيدة بالنسبة لمناطق الشمال، لكن الجرافة أغلقت أيضاً المسار الضيق الوحيد من المياه العذبة المتجه إلى مناطق وبساتين الجنوب في أبو الخصيب والفاو، وكذلك الشرق، حيث يتصاعد العمران وتظهر مدينة جديدة لا تقل أهمية عن مركز البصرة التقليدي.

وصلت وفود من رجال الدين ووجهاء العشائر من جنوب البصرة للقاء نظرائهم في الشمال، وزارت الوفود المشتركة منطقة السويب، توصل بعضهم إلى نتائج غير دقيقة، واعتقدوا أن الماء الذي يشاهدونه يتدفق بشكل معاكس من شط العرب إلى نهر السويب، إنما يصعد إلى أعالي نهر السويب ثم يعود إلى هور الحويزة، ولذلك اقترحوا إغلاق هذا المسار، يرد الخبير البدران بتصحيح هذا الاعتقاد، فالمياه لا تصعد نهائياً إلى الحويزة العالية، بل تتدفق إلى بعض القرى على امتداد 2 كم في محيط سد السويب، ثم يفترض أن تذهب إلى المسار الجديد باتجاه قناة كتيبان لتروي الجنوب.

هل نمتلك مهارة تقاسم الضرر؟

يطالب العراق دول المنبع دائماً بتقاسم الضرر، والمقصود، هو أن على الدول المتشاطئة أن تتقاسم الأضرار في فترات الجفاف أو قلة الواردات المائية، لا أن يتم تحميل دول المصب كل النقص، لكن مشكلة السويب وقناة كتيبان أطلقت تساؤلات حول مدى تماسك العراقيين داخلياً، وقدرتهم على فهم فكرة “تقاسم الضرر” وأنه لن يكون ممكناً أن تحتفظ البساتين والحقول العالية بحصصها كاملة، وتحمّل ضريبة الجفاف لمناطق الأذناب الجنوبية.

قراءات غير دقيقة تهرب من المشكلة

رغم النتائج غير الدقيقة.. لكن زيارة وفد الجنوب الذي مثلته شخصيات وازنة مثل مسؤول حراك أبو الخصيب الشيخ حسين المالكي، وشيخ الفضول عباس الفضلي، لعبت دوراً في تهدئة التوتر الاجتماعي، مع هذا.. فإن الأفكار التي طُرحت خلال الزيارة وأمام كاميرا شبكة 964 التي رافقت الوفود.. لا تبدو مجدية ولا قريبة من أصل المشكلة فضلاً عن الاقتراب من الحل وفقاً لكل الخبراء الذين ما زالوا يطالبون بتحويل جزء من مياه نفط البصرة لشراء محطات تحلية مياه البحر وتغذية الجنوب الملاصق لشاطئ الفاو، على طريقة كل دول الخليج، بدل الانشغال والإنفاق على مد قنوات تحاول الهرب من البحر ومن أصل المشكلة.

حسين المالكي – مسؤول حراك أبو الخصيب، لشبكة 964:

الزيارة كشفت أن الخطأ حكومي بحت حيث كان يفترض بالحكومة إغلاق ناظم السويب وليس القناة، لتوجيه الإطلاقات المائية نحو مناطق شمال البصرة وقناة كتيبان التي تغذي جنوب المحافظة.

من حق أهالي شمال البصرة الحصول على مياه صالحة للشرب، خاصة مع ارتفاع نسب الملوحة في مياه شط العرب التي تعتمد عليها الوحدات الإدارية في الدير، الشافي، النشوة، وناحية المصطفى.

بسام التميمي – عضو حراك الدير:

زارنا وفد من حراك ابي الخصيب واطلعوا ميدانياً على التغيير الإيجابي في نوعية المياه بعد إغلاق قناة السويب وتفهموا حقيقة المطالب الحقة لأهالي المنطقة، واتفقنا على إغلاق الناظم وتوجيه المياه الصالحة للشرب إلى مناطق جنوب البصرة.

عباس الفضلي – شيخ عشائر الفضول:

رسالتنا إلى حكومة البصرة المحلية ووزارة الموارد المائية، بإغلاق بوابة ناظم السويب حيث أن هذا الإجراء من شأنه تحويل المياه العذبة باتجاه جنوب البصرة، مما يساهم في حل أزمة المياه هناك أيضاً.

وليد المياحي – مدير ناحية النشوة:

نسب التراكيز الملحية في شط العرب قد تراجعت بشكل جيد بعد اغلاق قناة السويب، حيث انخفضت من 11000 TDS في ذروتها إلى 5600 TDS اليوم، بينما سجلت انخفاضاً أكبر في شمال النشوة لتصل إلى أقل من 2000 TDS، مما يعد تحسناً ملموساً في نوعية المياه.

علاء البدران – مختصص في شأن البيئة والمياه، لشبكة 964:

إن أزمة المياه الحقيقية في شمال البصرة تكمن في قلة الإطلاقات المائية وانعدام التخطيط الصحيح.

ما يجري اليوم هو أن الإطلاقات المائية من خلف ناظم قلعة صالح في العمارة بلغت (69.5 م³/ثا)، يذهب منها (20) م³/ثا داخل ناحية العزير (ميسان)، باعتبار أن الناظم يقع داخل ميسان، فيتبقى (49.5) م³/ثا مخصصة للبصرة، يذهب قسم منها إلى الشركات النفطية وبقية الاستعمالات. فكيف يمكن للمتبقي من مياه دجلة أن يواجه اللسان الملحي القادم من البحر عبر شط العرب، حيث تتميز هذه المياه بارتفاع ملوحتها وثقلها؟

أما فيما يخص السويب، فلو كان هناك تخطيط صحيح لاستغلال سحب المياه من حوض نهر السويب إلى قناة السويب – التي أُغلِقت مؤخراً – لما حصل ما حصل.

بمعنى أنه لو جرى ضخ المياه في هذه القناة وقت الجَزْر بمعدل (4 م³/ثا)، ورفع هذه الكمية تدريجياً، لكان ذلك أفضل من ضخ المياه فيها في أوقات المد والجزر.

أما نهر السويب فهو مقطوع قرب حقل مجنون، ولا يصل إلى الحدود الإيرانية، ولا يستفيد منه هور الحويزة، لأن أرضه أعلى من حوض نهر السويب الذي يتغذى على المياه الواردة إليه من شط العرب.