مقترح الدمج بتفصيل من خبيرين

تطورات العراق وعقوبات أميركا.. بنك مؤجر وبلا مولدة كيف يقنع واشنطن بأنه بنك؟

مع تصاعد الحديث عن إصلاح النظام المصرفي العراقي، يقترح اثنان من الخبراء الاقتصاديين خياراً وحيداً، وربما أخيراً، لإنقاذ الجهاز المصرفي من الاصطدام بحظر تعاملات دولي، حيث يرى أستاذ الاقتصاد المالي أحمد الهذال أن خيار دمج المصارف الأهلية (دمج أكثر من مصرف في بنك واحد إمكانياته أكبر) هو الحل الأمثل لتجاوز عقبة عدم قدرتها على تحقيق معايير الامتثال العالمية، وأهمها فصل الملكية عن الإدارة، وبالتالي إيجاد تعددية في مصادر اتخاذ القرار، وهي شروط إلزامية قد تستدعي تدخل “طرف خارجي” لتطبيقها، بدل أن تبقى على وضعها “البائس” حالياً مع عجزها عن توفير حتى خزنة نظامية لحفظ أموال الناس وعدم حفظها في بيوت مستأجرة وعدم امتلاك حتى مولدة كهرباء أحياناً، وهو ما يؤيده الخبير علاء الفهد، والذي يؤكد أن البنك المركزي قادر على اتخاذ خطوة باتجاه الدمج استناداً الى المادة 18 من قانون 94 لعام 2004، كما يجري حالياً من معالجة وضع مصرفي الرافدين والرشيد بإشراف شركة أوليفر وايمان الألمانية.

وتواصل الأوساط الاقتصادية والمصرفية نقاشات مستمرة في وسائل الإعلام بحثاً عن حل يمكنه تجنب مزيد من العقوبات الأميركية، خاصة مع تفجر مشكلة عدم صرف رواتب منتسبي الحشد الشعبي نهاية الشهر الماضي بعد انسحاب شركة كي كارد المتعاقدة مع مصرف الرافدين، واضطرار الهيئة الى اعتماد وسيط وبطاقات محلية لتجاوز ما يشاع أنه “عقبات أميركية” وضعت أمام تعاملاتها، وهو ما يبدو منسجماً مع إطلاق البنك المركزي مشروع بطاقات دفع إلكتروني محلية الاستخدام بعيداً عن سيطرة الفيدرالي الأميركي، الأمر الذي يهدد بإجراءات عقابية جديدة من وزارة الخزانة مع احتمال سوء استخدام النظام المالي الجديد واستغلاله للتعامل مع جهات معاقبة مثل روسيا وإيران.

أحمد هذال – خبير اقتصادي، في حوار مع الإعلامي قيس المرشد، تابعته شبكة 964:

بعد العام 2003 استفحلت ظاهرة المصارف الأهلية بطابع تجاري، ونرى أن مؤشراتها سلبية ودون مستوى الطموح، وفقاً لنوعين من مؤشرات التقييم الخاصة بما تضيفه هذه المصارف الى الناتج المحلي وما تقدمه في إطار دفع المخاطر، وكذلك مؤشرات الإيداع والربحية والامتثال الدولي، ونحن متأخرون في تطبيقها، والتي تستهدف الاستقلال الإداري في اتخاذ القرارات.

الامتثال للمعايير الدولية مسألة عالمية، فإن لم نطبقها سيأتي طرف خارجي لإجبارنا على تطبيقها، فالمعيار هو جودة ما تقدمه هذه المصارف من خدمات وليس عدد هذه المصارف، فأغلب المصارف الحالية تتجه الى تحقيق ربح سريع الأجل باستثمار مسألة الحوالات والسندات، بمخاطر تكاد تكون معدومة على عكس المخاطر الموجودة في الاتجاه نحو القطاع الصناعي والزراعي وغيرها، ولذا كونت المصارف رأسمال كبير بسرعة.

شرط الاندماج سيطبق على المصارف الحكومية وهناك خطة لدمج الرافدين والرشيد، وليس على المصارف الأهلية فقط، فالهدف هو الإنتاجية وليس الربح السريع، فبدل وجود 70 مصرفاً غير قادرة على تحقيق المعايير الدولية بالإمكان أن تندمج في 5 مصارف منتجة في مختلف القطاعات، وهذا من الممكن تحقيقه إذا ما فصلنا الإدارات عن الجهات المالكة.

إحدى المشاكل التي تعاني منها هيكلية المصارف العراقية هو تبعية أقسام متابعة الامتثال المصرفي الى الإدارة، وهو ما يمنع تقديم أي تقارير بشأن عمليات غسيل الأموال.

المصارف تريد إيجاد حالة مرونة عالية في مسألة الشفافية المالية لكي تتهرب من تطبيق المعايير، وهذا ما أوصلنا الى حالة وجود 93% من العملة خارج الجهاز المصرفي، مع أن تسهيلات البنك المركزي كبيرة للمصارف ولكنها لم تستثمر هذه التسهيلات لبناء ثقة مع المواطنين وسحب هذه العملة من الشارع.

المشكلة التي تواجه القطاع المصرفي هيكلية ولا يمكن علاجها عبر قرارات من البنك المركزي، بل أن هذه المصارف تمثل عبئاً كبيراً على البنك المركزي نفسه، فمن يستطيع تحمل هكذا مصارف رديئة عاجزة عن إيجاد شريك خارجي لتمويل تجارته، والسؤال هنا لماذا تستمر هذه المصارف ولماذا هي موجودة أصلاً إذا لم تتمكن من تقديم أي خدمات للمجتمع والاقتصاد، وأرى بأن حل الدمج هو الأفضل لتنويع مصادر القرار داخل المصارف وإيجاد مرونة لدرء المخاطر.

البنك المركزي هو بنك البنوك، والمسيطر الوحيد حصراً على العمليات المصرفية في العراق، ولديه صلاحيات وإمكانيات واسعة اتخاذ أي قرار بشأن القطاع المصرفي، ولا أعتقد أنه جاء بشركات أجنبية متخصصة ثم يصطدم بمعرقلات قانونية، وإذا حدث ذلك فبالإمكان إصدار تعليمات باستثناء هذه القرارات من القانون عبر مجلس الوزراء.

وضع المصارف العراقية بائس لدرجة أن بعضها لا يملك خزنة نظامية لحفظ أموال الناس، ويلجأ الى تأجير بعض البيوت لحفظ الأموال، وبعضها لا يملك مولد خاص ويضطر لسحب الأمبيرات من مولد الشارع “وكل شوية تنزل الجوزة” فكيف يمكن لهذه المصارف أن تحقق معايير الامتثال العالمي وكيف لها أن تجذب رأس المالي الخارجي وبالتالي زيادة الاستثمار في العراق؟

علاء الفهد – خبير اقتصادي:

إجراءات أوليفر وايمان تهدف الى الارتقاء بمستوى المصارف كأداء وجودة الى مستويات المصارف العالمية، وأولى هذه الخطوات هو تقييم الواقع الحالي، فبعض مصارفنا تخضع للعقوبات، ويجب أن نواجه هذه التحديات لإصلاح الشمول المالي وجودة الأداء ومتطلبات المرحلة الحالية، وهذا جزء من عجلة إصلاح الوضع الاقتصادي، وهذا ما أعلنته الحكومة في بيان رسمي بأنه  لا يمكن إصلاح الوضع الاقتصادي من دون إصلاح القطاع المصرفي بشكل مسبق.

أولى المعايير المطلوبة من المصارف العراقية هو فصل الإدارة عن الملكية، وهو شرط أساسي تم العمل عليه، ثم إدخال الأتمتة والأمن السيبراني، الى جانب تطبيق معايير غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، وكذلك الاندماج والتحول لتكون شركات مساهمة، وهذا ما تعمل عليه شركة أوليفر وايمان في مصرف الرافدين حالياً.

البنك المركزي يملك خطة متكاملة لتطوير القطاع المصرفي، والمرحلة الأولى منها كانت إنشاء البنية التحتية واستيراد أجهزة الدفع الإلكتروني، أما اتساع نطاع عمل بطاقة كل مصرف فهذا متروك لقدرة المصارف نفسها في اعتماد بطاقات المصارف الأخرى عبر عقد الاتفاقيات فيما بينها.

البطاقات محلية الاستعمال موجودة في كثير من دول العالم مثل إيران والهند وأميركا أيضا، وما أعلنه البنك المركزي عن المشروع الجديد للبطاقات المحلية يستهدف توسعة استخدام البطاقات في التعاملات بالدينار، مع إبقاء البطاقات الأخرى للاستخدامات الخارجية، وهذا يشبه استخدامات “السيم كارد” في أجهزة الموبايل حيث هناك شرائح محلية وأخرى دولية وهكذا.

المادة 18 من قانون المصارف 94 لعام 2004 أجازت للبنك المركزي دمج المصارف، وهذا ما يعمل عليه المركزي الآن، بالتوازي مع تشجيع المصارف على زيادة عمليات الأتمتة.