"تحطمت أحلام الناجين"

نيويورك تايمز: قرار الحكومة العراقية بشأن يونيتاد “مفجع” وربما تعرضت لضغوط

قالت صحيفة نيويورك تايمز، اليوم الخميس، إن أسبوعين فقط تبقت من مهلة الحكومة العراقية لفريق الخبراء الدوليين (يونيتاد)، المسؤول عن التنقيب في المقابر الجماعية التي دفن فيها داعش الضحايا الذين قتلهم، واصفةً القرار بـ “المفجع” لعائلات نحو 2700 من الإيزيديين، وقالت الصحيفة إن الحكومة تعرفت على 93 مقبرة حتى يوليو/تموز، وما تزال 32 منها غير مفتوحة، مشيرةً إلى أنه مع انتهاء عمليات الفريق في 17 أيلول/سبتمبر، فإنه ستترك مقابر جماعية أخرى معروفة دون فحص، وستتحطم أحلام الناجين في العثور على ذويهم، ويقول متحدثون في تقرير الصحيفة الأميركية إن العراق يحاول تقديم صورة عن تقدمه واستقلاله وطي صفحة الماضي عبر إلغاء “يونيتاد” و”يونامي” فيما قال سياسي تحدث للصحيفة إن ضغوطاً ربما مورست ضد الحكومة من أجل اتخاذ هذه القرارات.

تقرير نيويورك تايمز:

يقوم خبراء الطب الشرعي باستخراج الرفات البشرية من مقبرة جماعية شمال العراق، في ظل درجات حرارة عالية وساعات عمل طويلة ومضنية، في واحدة من أكبر جرائم الإبادة الجماعية في هذا القرن – قتل الشعب اليزيدي على يد الدولة الإسلامية-.

والآن، بات ينفد الوقت لتوثيق مذبحة عام 2014، وهي حملة استمرت لسنوات من قبل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) حيث قتل وعذب واختطف وأجبر الآلاف من الإيزيديين على العبودية الجنسية، بهدف القضاء عليهم كمجموعة عرقية ودينية منفصلة.

أمهلت الحكومة العراقية فريق الخبراء الدوليين المسؤولين عن التنقيب في المقبرة الجماعية خارج تلعفر بالعراق، أقل من أسبوعين لإنهاء تحقيقاته، تاركة عشرات المقابر الجماعية الأخرى التي تقول الأمم المتحدة إنها تحتوي على أدلة حاسمة لبناء قضية لمحاسبة أعضاء داعش جنائيا.

يتحرك العراق لإغلاق المخيمات التي تحتجز الإيزيديين النازحين، وإعدام مرتكبي جرائم داعش وإنهاء المهمة التي نظمتها الأمم المتحدة للتنقيب عن المقابر الجماعية، حرصاً من حكومة العراق على طي صفحة فترة مروعة عندما استولى داعش على مساحات شاسعة من أراضيه وسيطر عليها.

القرار جاء مفجعاً لعائلات ما يقرب 2,700 من الإيزيديين المفقودين، فبالنسبة لهم، يمكن لكل قطعة عظمية مكتشفة أن تساعد في حل لغز ما حدث لأحبائهم الذين لم يروهم منذ عهد داعش الإرهابي.

“أنا في انتظار رفات عائلتي، وأعتقد أنهم هناك”، قالت شيرين خديدة، وهي امرأة إيزيدية اعتقلها داعش مع عائلتها في عام 2014.

تحرير المناطق التي كان يسيطر عليها داعش في عام 2017 كشف عن فظائع لم توصف من قبل، فبعد فترة وجيزة، وبناء على طلب من الحكومة العراقية، شكلت الأمم المتحدة فريقا من المحققين يعرف باسم يونيتاد للحصول على أدلة تلك الجرائم وتوثيقها وتخزينها حتى تتمكن المحاكم في جميع أنحاء العالم من رفع قضايا، وقد أبلغت السلطات العراقية، في سبتمبر 2023، محققي الأمم المتحدة أنه سيكون أمامهم عام واحد فقط لإنهاء المهمة.

علو عنتر، هي مقبرة تقع بالقرب من تلعفر، ألقى داعش فيها الجثث، وهي واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق الأمم المتحدة في حفرها، أما الآن، قد تكون الأخيرة. وحتى يوليو/تموز، كانت السلطات العراقية قد تعرفت على 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين. ولا يزال 32 منها غير مفتوح في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لا يُعرف مصيرهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن لم يتم التعرف إلا على 243 جثة فقط، وإعادتهم إلى عائلاتهم.

العمل في علو عنتر، وهي حفرة (تجويف) طبيعية يزيد عمقها عن 30 قدما، صعب ومعقد، كما قال آلان روبنسون، رئيس وحدة علوم الطب الشرعي في فريق التحقيق (يونيتاد). لكن النتائج كانت مذهلة.

ذكر روبنسون، إن بعض الرفات دفنت في أكياس الجثث، والجثث بداخلها ترتدي ملابس برتقالية اللون شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش. وعثر على آخرين مع فرشاة الأسنان وحبوب ضغط الدم التي أخذوها معهم عندما هربوا. كانت أيدي العديد من الضحايا مقيدة خلف ظهورهم، وكان آخرون معصوبي الأعين. وأظهرت النتائج الأولية أن بعضهم أصيب بعيارات نارية، بينما بدا أن آخرين ماتوا بسبب دفعهم إلى الحفرة.

وقال روبنسون إن الظروف البيئية المعقدة كانت سبباً في تحنيط بعض البقايا بدلاً من تحويلها إلى هياكل عظمية، مما أدى إلى ظهور روائح تحلل شديدة عند اكتشافها.

وقال السيد روبنسون أيضا “بعد سبع و10 سنوات من وفاتهم وما تزال الرائحة طاغية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت وقت وفاتهم”.

قد يكون إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة جزءا من محاولاته لتغيير صورته، كما تقول سارة صنبر، باحثة العراق في هيومن رايتس ووتش، حيث دعا العراق في مايو أيار، إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أنشئت بعد الغزو الأمريكي عام 2003 لمساعدة العراق على تطوير المؤسسات الحكومية وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان، ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وقالت السيدة صنبر “أن العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة في مرحلة ما بعد الصراع”، وترى بعض الفصائل الداخلية أن وجود الأمم المتحدة هناك “تدخل دولي غير مبرر في الشؤون العراقية”.

وأضافت السيدة صنبر إن الشكوى الرئيسية للحكومة هي أن فريق التحقيق (يونيتاد) رفض تسليم الأدلة التي جمعها إلى السلطات العراقية، على الرغم من أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش”.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن تتم محاكمة جرائم داعش دون تطبيق عقوبة الإعدام، وقد حكم العراق على أعضاء داعش المدانين بالإعدام.

وعن النزاع حول تبادل الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو فريق التحقيق (يونيتاد) في بيان، إن الفريق شارك بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو فريق التحقيق (يونيتاد) إن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، على الرغم من أنه غير واضح حالياً ما إذا كانت ستمتلك الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو أيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء ولاية فريق التحقيق (يونيتاد) إلى “التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا وجود ضغوط خارجية” من دول أخرى على محمد شياع السوداني، رئيس وزراء العراق.

ورفض خليل تحديد الدول التي يعتقد أنها تمارس هذا الضغط، لكن الحكومة العراقية لديها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران.

عندما رفع داعش راياته السوداء في ثلث العراق في عام 2014، كانت البلاد ما تزال تحمل ندوب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة والذي أطاح بصدام حسين قبل أكثر من 10 سنوات.

بعد انسحاب معظم القوات الأمريكية عام 2011، لم يتمكن العراق من صد داعش عندما استجمعت الجماعة الإرهابية قوتها. وفي نهاية المطاف، استولى داعش على الموصل، ثاني أكبر مدينة في البلاد، وكذلك على موطن الإيزيديين في منطقة سنجار.

داعش، التي تسعى إلى إنشاء خلافة إسلامية سنية في جميع أنحاء العالم “مطهرة من الكفار”، قد استهدفت الإيزيديين بوحشية، وهي أقلية عرقية دينية.

قدرت دراسة أجريت عام 2017 أن داعش قتل حوالي 3,100 يزيدي وخطف حوالي 6,800 في أغسطس 2014، بعض النساء الهاربات من داعش قلن إنه تم الاتجار بهن لممارسة الجنس.

كانت الحملة حالة واضحة للإبادة الجماعية، حسبما أبلغ المحققون الأمم المتحدة عام 2021.

قالت السيدة خديدة إن مقاتلي داعش اجتاحوا مجتمعها في قضاء سنجار ذات صباح، في أوائل أغسطس/آب 2014 وأسروها أثناء محاولتها الفرار مع عائلتها. وقالت إنها احتجزت لمدة ثلاث سنوات في الأسر، وما يزال مكان وجود العديد من أفراد أسرتها مجهولا.

ظل نحو 157 ألف شخص، كثير منهم من قضاء سنجار، في مخيمات النازحين في شتى أنحاء شمال العراق حتى مايو/أيار. ويعتقد أن بعض الإيزيديين المفقودين، ما يزالون على قيد الحياة، محتجزون في سوريا أو تركيا.

لكن الكثيرين منهم قتلوا وألقيت جثثهم بشكل غير رسمي في مقابر جماعية. بعض الناجين من الإبادة الجماعية يأملون في معرفة ما حدث لعائلاتهم من خلال جهود التنقيب التي يبذلها فريق التحقيق (يونيتاد).

وتوقع الناجون أن يتم استخراج رفات مئات الضحايا من موقع علو عنتر، لكن التقارير الأولية الصادرة عن فريق التحقيق (يونيتاد) تظهر أنه تم اكتشاف رفات حوالي 160 شخصا فقط هناك حتى الآن.

“في مخيلة عامة الناس، كان من المؤمل أن يكون هذا الموقع (علو عنتر) هو مكان المفقودين.

وفي الوقت الذي يستعد فيه فريق التحقيق (يونيتاد) لإنهاء عملياته في 17 أيلول/سبتمبر، فإنه يترك مقابر جماعية أخرى معروفة دون فحص وتتحطم أحلام الناجين مع انهاء خدمات الفريق.

“كانت هذه كارثة أخرى بالنسبة لي”، قالت السيدة خديدة عندما علمت أنه تم العثور على عدد قليل نسبيا من الرفات في علو عنتر وأنه من غير المحتمل فتح مقابر أخرى.

سألت عن أفراد عائلتها المفقودين: “أين هم الآن؟”.