16 دقيقة من الأخطاء

جردة حساب لـ”مؤتمر الكاش”: السوداني قاضياً ومحققاً وضابط شرطة

بغداد – شبكة 964

في مشهد نادر، ظهر رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، في 27 تشرين الثاني 2022، خلف منصة المؤتمرات الصحفية بقصر الحكومة، يتوسط كومةً من العملة العراقية المطبوعة؛ ما أن تحدث، حتى فهم الجمهور أن الرجل يعرض غنيمة استردها من متورطين بـ”صفقة القرن”.

مع تجاوز صدمة المشهد، المربك والمقحم، تبين أن كدس الأموال المؤطّر في كادر الصورة، لا يشكل سوى عشر المبلغ المنهوب من دائرة الضرائب البالغ 2.7 مليار دولار، وأن المتورط الرئيس نور زهير سيطلق سراحه مقابل إعادة ما تبقى من الأموال في غضون أسبوعين، هذا ما قاله رئيس الوزراء قبل أن يفصّل السرقة بالصكوك والأرقام.

خلال 16 دقيقة، أذاع السوداني بياناً من 411 كلمة، تضمنت عبارات خلطت بين صلاحيات القضاء والنزاهة وسلك الشرطة، لكن أداءه في هذه الخلطة ضيّع عليه الظهور كرئيس للحكومة، واضحاً مكثفاً تاركاً التفاصيل للمواقع الأدنى، المعنية بالملف.

أخطاء السوداني

في حديث لـ”شبكة 964″، رصد الخبير القانوني عباس العقابي في خطاب رئيس الوزراء جملة أخطاء قانونية، وأخرى تتعلق بالأمن القومي، أبرزها “عدم امتلاكه صلاحية توجيه القاضي بالحكم أو الإفراج عن أي شخص، لأن ذلك يتعارض مع المادة 47 من الدستور التي أقرت الفصل بين السلطات”.

الخطأ الآخر، الذي سجله العقابي، أن رئيس الحكومة “لا يمكنه التحدث بالنيابة عن القاضي، وفقاً للمادة 85 من الدستور التي ضمنت استقلال القضاء، ومنعت أي سلطة غيرها من التدخل في شؤون العدالة”.

وتعارض إفصاح السوداني عن معلومات بشأن المتهم وموعد إطلاق سراحه علناً أمام شاشات التلفزيون، مع السياسة الأمنية للبلاد، وفقاً للعقابي الذي يرى أن نور زهير حصل على فرصة “لشراء مصادر خارجية أو قوة إرهابية تفك أسره من الحماية المفروضة”.

ورغم مخاوف العقابي من مخطط لتحرير المتهم زهير، فإن الأخير ظهر في اليوم التالي بحسب صورة تداولها ناشطون، حليق الذقن مرتاحاً على مقعد خلفي لسيارة بدت حديثة.

ويعتقد العقابي، أن السوداني قادر على حل القضية واسترداد الأموال عبر توكيل شخص من قبل نور زهير، ينوب عانة لتحويل أمواله وعقاراته، بينما يبقى هو داخل السجن، مستفيداً من حقه القانوني في توكيل الأشخاص، دون أن يطلق سراحه.

المفقود في صفقة القرن

يشرح قاضٍ عراقي لـ”شبكة 964″، آلية حجز الأموال في القضايا المماثلة لملف نور زهير، لم تتبعها حكومة السوداني منذ أن ذاع صيت “صفقة القرن”، إذ يجب على السلطات حجز الأموال المنهوبة أو المختلسة “داخل حسابات بنكية، أو بيع الأصول والعقارات في مزاد علني واستحصال قيمتها كبديل أو تعويض”.

ويقول القاضي، الذي ما يزال يعمل في أحد محاكم بغداد، إن “المحكمة التي تتولى التحقيق في قضايا الاختلاس عليها منذ لحظة اعتقال المتهم حجز أمواله، ثم تحدد جلسة النطق بالحكم”، مشيراً إلى أن “ثبوت التهمة وإصدار الحكم، أمران يحددان مصير الأموال المحجوزة، ففي حال البراءة يلغى الحجز عليها، وفي الإدانة تباع ممتلكاته في مزاد علني لصالح الدولة”.

في المقابل، قدم قاضي محكمة تحقيق الكرخ المختصة بقضايا النزاهة، ضياء جعفر، رواية مختلفة تماماً عن ملابسات قرار الإفراج عن نور زهير، التي يقول إنها “استندت إلى القانون”، وفقاً لتصريح نقلته وكالة “واع”، فيما أكد أن “جميع عقاراته محجوزة ولن يرفع عنها لحين إكمال التحقيقات”.

نور زهير في صفقة الكاظمي

بالمقارنة مع الصفقة التي حاول تنفيذها رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي قبل عامين، على الأقل المعلن منها، فإن فوارق إجرائية يمكن رصدها مع ما اعتمده السوداني في قضية نور زهير.

في كانون الثاني 2021، أعلن الكاظمي صفقة مع رؤساء القوى السياسية تضمنت إصدار أوامر قبض بحق مسؤولين حكوميين متورطين بسرقة أكثر من 150 مليار دولار، بحسب مصادر حكومية.

وألزمت الصفقة الحكومة العراقية بإطلاق سراح المعتقلين مقابل تسديد الأموال التي نهبوها وإرجاعها إلى خزينة الدولة.

ورغم أن كثيرين يتهمون حكومة الكاظمي باستغلال الصفقة نفسها لإحداث تغييرات في موازين القوى داخل سوق المال والأعمال في البلاد، لكن لجنة الجرائم الكبرى لمكافحة الفساد اشترطت استرداد الأموال مقابل إطلاق السراح، واعتمدت سياقاً يمنع الإفراج عن المتهم بذريعة إعادة الأموال، كما في حالة المتهم نور زهير.